من حرق السيارات إلى تهريب سبائك النحاس.. كيف تعمل مافيا الخردة في السودان؟

97

متابعات تاق برس – كشف تحقيق للصحفية هاجر سليمان عن تنامي نشاط شبكات متخصصة في جمع وتجارة الخردة بولاية الخرطوم، متهم عصابات بالوقوف وراء عمليات حرق سيارات المواطنين المنهوبة والمتروكة في الأحياء والميادين العامة، بعد تفكيكها والاستيلاء على أجزائها المعدنية، تمهيداً لبيعها كخردة، في أنشطة امتدت – بحسب التحقيق – إلى تخريب المحولات الكهربائية وتقطيع أنابيب البترول وتهريب المعادن إلى خارج البلاد.

وأشار التحقيق إلى أن تجارة الخردة تحولت من نشاط محدود كان يمارسه بعض المواطنين البسطاء لجمع المخلفات والأدوات المنزلية القديمة وبيعها، إلى نشاط منظم تقف وراءه شبكات ومافيات متخصصة، مستفيدة من ارتفاع أسعار النحاس والحديد والمعادن الأخرى، الأمر الذي أدى إلى اتساع عمليات التخريب والاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة.

وبحسب التحقيق، فإن بعض هذه العصابات اتجهت، عقب تدمير قطاع الكهرباء وسرقة المحولات خلال الحرب، إلى إحراق المنازل والسيارات لاستخلاص النحاس والحديد، قبل أن تتطور أنشطتها إلى حرق المركبات التي تعرضت للنهب خلال الحرب، بعد تفكيكها وتقطيعها وبيع أجزائها دون الرجوع إلى أصحابها الحقيقيين.

قرارات حكومية واستثناءات مثيرة للجدل

وفي إطار مواجهة الظاهرة، أصدرت وزارة التجارة في العام 2024 القرار رقم (13) القاضي بحظر تصدير وتداول الخردة بأنواعها المختلفة، حفاظاً على حقوق الدولة والمواطنين، خاصة الذين لا يزالون خارج البلاد ولا يعرفون مصير ممتلكاتهم.

كما أصدرت ولاية الخرطوم أمر الطوارئ رقم (10) لسنة 2024، الذي حظر تداول خردة النحاس والألمنيوم والحديد داخل الولاية أو نقلها إلى خارجها، وحدد عقوبات تشمل السجن والغرامة التي تتراوح بين 10 و100 مليار جنيه، إلى جانب مصادرة الخردة لصالح الولاية.

غير أن التحقيق أثار تساؤلات بشأن منح استثناءات لجهات محددة، بينها حركة مسلحة ومؤسسة حكومية وشركة مملوكة لرجل أعمال وصفته الصحفية بأنه عميل إماراتي معروف في البلاد، رغم أن أمر الطوارئ لم يتضمن، بحسب ما ورد في التحقيق، استثناءات لأي جهات.

وكشف التحقيق عن حصول إحدى الحركات المسلحة على عدة خطابات استثناء، إلى جانب نحو ستة خطابات لشركة، فضلاً عن استثناءات لمؤسسة حكومية، في وقت تعرض فيه مواطنون للمحاكمة بالسجن والغرامة ومصادرة شاحناتهم والخردة التي بحوزتهم.

وطرحت الصحفية تساؤلات حول الأسس القانونية التي استندت إليها تلك الاستثناءات، والجهات التي أصدرتها، والمستفيدين منها، مطالبة بمساءلة المسؤولين والتحقيق في ما وصفته بازدواجية تطبيق القانون.

سبائك النحاس.. أرباح بالملايين وطرق تهريب

وسلط التحقيق الضوء على الأرباح الكبيرة التي تحققها تجارة المعادن، مشيراً إلى أن سعر طن النحاس عالمياً يبلغ نحو 45 ألف دولار، بينما يصل سعر كيلو النحاس الخردة في الخرطوم إلى نحو 11 ألف جنيه، أي ما يعادل 11 مليون جنيه للطن، في حين يتجاوز سعر الطن المجهز للتهريب، وفق المعلومات الواردة في التحقيق، 170 مليون جنيه.

وأوضح أن شبكات التجارة تستخدم منازل وورشاً في أطراف العاصمة كمخازن ومراكز لتجميع الخردة، قبل نقلها عبر شاحنات إلى مدينة عطبرة، حيث تخضع لعمليات معالجة باستخدام مواد كيميائية وتحويلها إلى كتل وسبائك يسهل نقلها وتهريبها.

وأضاف أن بعض الشاحنات تُجهز بفراغات داخلية لإخفاء السبائك، وتصل حمولة الشاحنة الواحدة إلى نحو طنين، قبل تهريبها إلى مصر، حيث يجري بيع النحاس بأسعار مرتفعة، فيما تنقل شحنات الحديد إلى الخارج بطرق مماثلة.

أنابيب البترول والمحولات ضمن الخردة المضبوطة

وأشار التحقيق إلى أن عمليات التخريب تجاوزت الممتلكات الخاصة لتطال منشآت حيوية، إذ ضبطت الشرطة كميات من الخردة تبين بعد فحصها أنها أجزاء من أنابيب بترول جرى تقطيعها تمهيداً لبيعها.

كما شهدت منطقة الشليخة بشرق النيل ضبط كميات من الخردة داخل أحد المنازل، تضمنت محولات كهربائية تعرضت للتخريب، وصدر حكم بالسجن لمدة عام والغرامة عشرة ملايين جنيه ومصادرة الخردة والعربة المستخدمة في نقلها بحق صاحبها.

ولفت التحقيق إلى ضبط ومصادرة عشرات الشاحنات المحملة بالخردة لصالح الدولة، مقابل استمرار عمليات تهريب أخرى، رغم القرارات الحكومية الصادرة لمكافحة الظاهرة.

فشل الرقابة ومطالب بفتح تحقيق

ورغم صدور قرار مجلس الوزراء رقم (50) لسنة 2024، القاضي بحظر تصدير النحاس والحديد والألمنيوم والخردة بمختلف أنواعها، ووقف استيراد المصاهر الخاصة وغيرها من الإجراءات، فإن عمليات الحرق والتخريب وتجميع المعادن وتهريبها لا تزال مستمرة، بحسب التحقيق.

وتضع هذه الوقائع الجهات الرقابية والتنفيذية أمام تساؤلات بشأن مدى قدرتها على تطبيق القرارات الحكومية، وملاحقة الشبكات المتورطة في تخريب الممتلكات العامة والخاصة، والتحقق من مصادر الخردة والجهات المستفيدة من تداولها وتصديرها.

كما يثير التحقيق مطالب بفتح تحقيق شامل في الاستثناءات الممنوحة لبعض الجهات، ومراجعة عمليات بيع الخردة بواسطة المحليات والمؤسسات الحكومية، والتحقق من ملكية المعادن المتداولة ومصادرها، بما يضمن عدم تحويل تجارة الخردة إلى غطاء لنهب ممتلكات المواطنين وتخريب البنية التحتية والاقتصاد الوطني.

whatsapp
أخبار ذات صلة