السودان… رصاص وعيد ومآسي

134

كتب.. أحمد المسلماني- لم يشهد السودان عيداً هذا العام، لا عيدَ فطر ولا عيدَ أضحى، إذ خلتْ ساحات الصلاة من المصلّين، واختفتْ مكبّرات الصوت التي تصدح بالتهليل والتكبير، ولا أضاحي ولا ألعاب أطفال ولا ملابس جديدة، ولا عناقاً للأهل ولا مصافحات للجيران، ولا زيارات للأهل ولا صلة للأرحام. لا شيء في العيد غير القذائف والرصاص.

ماذا حدث للسودانيّين؟

قال لي سودانيون فرّوا إلى القاهرة: الموت في كلّ مكان في بلادنا، وهناك جيران لنا دفنوا قتلاهم في منازلهم، إنّهم لا يستطيعون مغادرة المنازل حتى لا تضاف إلى عائلاتهم جثث جديدة.

قام بعض الشباب بمبادرات الدفن في الشوارع، حيث يجمعون الجثث، ويحفرون في أيّ مكان ويدفنون. وبعضهم لم يتمكّن من الصلاة، وربّما لم يعرف اتجاه القبلة. كان الهدف هو الدفن بأسرع ما يمكن، بعدما تمكّنت الكلاب الضالّة من نهش عدد من جثامين القتلى.

لم يشهد السودان عيداً هذا العام، لا عيدَ فطر ولا عيدَ أضحى، إذ خلتْ ساحات الصلاة من المصلّين، واختفتْ مكبّرات الصوت التي تصدح بالتهليل والتكبير، ولا أضاحي ولا ألعاب أطفال ولا ملابس جديدة

قالت لي سيّدة سودانية كانت تصطحب ابنتها وسط القاهرة: لا أصدّق أنّ هذا حدث عندنا، نحن السودانيّين طيّبون، وسمعتنا في العالم كلّه هي الطيبة والبساطة، من أين جاء كلّ هذا الحقد، وكلّ هذا الدم؟ لولا أنّني رأيت بنفسي حالات عديدة من نساء تمّ اغتصابهنّ، ومنازل تمّ نهبها وقتل ساكنيها، لمَا كنتُ صدّقت أنّ هذا حدث لنا، وحدث بأيدينا!

ما سمعتُه من عدد من السودانيين الذين التقيتُهم في مصر وخارجها كان مفزعاً ومُقبضاً، وقد قلتُ لأحدهم: بعد أن تضع الحرب أوزارها يجب على علماء السودان أن يشرعوا في عمل علميّ كبير يدرس “علم نفس السودانيين” و”علم اجتماع السودانيين” أيضاً لفهم أسباب ذلك التحوُّل الكبير.

من المؤكّد أنّ هناك أجانب ومرتزقة متورّطون في تلك الأعمال البشعة، لكنّ أغلب الضالعين في الأحداث هم سودانيون. وإذا كان المفكّر المصري جلال أمين قد صدمته بعض التحوُّلات الاجتماعية في مصر، فأصدر عام 1998 كتابه الشهير “ماذا حدث للمصريين؟”، فالأولى أن يعقد علماء الاجتماع السودانيون مؤتمراً بعنوان: “ماذا حدث للسودانيين؟”.

 

بعد شهرين من اندلاع الحرب في السودان دعا العلّامة الشيخ عبد الله بن بيّه رئيس “مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي” ورئيس “منتدى أبو ظبي للسلم” نخبةً من مثقّفي دول الساحل والسودان للتباحث بشأن المعضلة السودانية، وعلى أثر الدعوة النبيلة عقد “المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم” لقاءً تشاورياً في العاصمة الموريتانية نواكشوط.

انعقد اللقاء تحت رعاية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وحضره رئيس الوزراء الموريتاني محمد ولد بلال. ولقد شاركتُ في اللقاء التشاوري من خلال رئاسة الجلسة الثالثة، التي كانت بعنوان “مقترحات للمساهمة في معالجة الأزمة في السودان”. وهي الجلسة التي شهدت إفادات ضافية من نحو عشرين متحدّثاً أغلبهم من السودان.

قال العلاّمة الشيخ عبد الله بن بيّه في ورقته التأسيسية المتميّزة: “هذا ملتقى علماء وليس ملتقى سياسيّين، وإذا كنّا إزاء سؤالين: من الذي أشعل النار في السودان؟ وكيف يمكن إخماد هذه النار؟ فإنّ جهدنا ينصبّ على الإجابة على السؤال الثاني”.

هكذا تحدّث زهير بن أبي سلمى

في لقاء نواكشوط التشاوري قال الداعية الإسلامي محمد ماجد مدير مركز آدم في واشنطن: “لقد نشأت في السودان، وشاركت في حياتي في عشرات الفعّاليات لدعم السلام في العالم، ولم أتوقّع أن أشارك في مؤتمر لوقف الحرب الأهلية في بلادي”.

ثمّ تحدّث والدموع تغالبه: “المشاهد المأساوية في السودان تفطر القلوب. من جثث الشوارع إلى اغتصاب الحرائر. إنّها مشاهد فوق الاحتمال”.

الحرب لا تحلّ المشاكل بل تزيدها، وهي تدمّر الدولة وتؤخّرها لعشرات السنين، كما هو حاصل في الصومال

واصلتْ الأكاديميّة السودانية الدكتورة فادية أبو صالح استكمال المشهد البائس قائلة: “لقد غادرت السودان ووصلت إلى دولة بنين قبل أيّام، ولقد شعرتُ عند وصولي إليها أنّني وصلت إلى أفضل بلد في العالم، وذلك ببساطة لأنّني وجدت الأمن، فليس أفضل في العالم من الشعور بالأمن”.

روت الدكتورة فادية أبو صالح مشاهد من شظف العيش، لافتة إلى أنّ “آخر راتب تمّ صرفه في السودان قبل شهر رمضان، ويبيع الناس ما يملكون من ذهب نسائهم من أجل المغادرة. لقد تمّ نهب البنوك، وأمّا وزارة الداخلية فقد تمّت تسويتها بالأرض، وقصص القتل والاغتصاب أصبحت حديث كلّ يوم في الخرطوم. إنّنا نسأل بعضنا كلّ صباح: كم قذيفة ضربت جدران بيوتكم أمس، وكم رصاصة سقطت في فناء منزلكم اليوم؟!”.

ما رواه الحضور في لقاء نواكشوط عبّر عنه السيّد أنطونيو غوتيرش الأمين العام للأمم المتحدة بوضوح بقوله إنّ السودان يغرق في العنف بسرعة غير مسبوقة، ويتمّ تدمير خطوط الإمداد وهدم البنية الأساسية بلا توقّف.

قال لي أحد الخبراء السودانيين المشاركين: “الوضع مخيف بشكل لا يُصدّق، وقد سمعتُ أحد اللاجئين السوريين في السودان يقول: ماذا حدث لكم أيّها السودانيون. إنّ ما حدث في السودان في 8 أسابيع يضاهي ما حدث في سوريا في 8 سنوات”.

كان الدكتور عبد الله برج روال الأمين العام للمجلس الإسلامي في جنوب السودان محقّاً حين قال: “خاضت دولتنا حرباً أهلية قاسية بسبب الصراع على السلطة بين الرئيس ونائبه، ومن أجل حسم المقعد رقم 1، وقد اعتقدت أنّ الشمال سيكون أكثر حكمة، وأنّه لا يمكنه أن يخوض حرباً عبثية مدمّرة مثلنا، لكن للأسف غابت الحكمة”.

إنّها الحرب بكلّ ويلاتها وأحزانها ومآسيها. وكان وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة موفّقاً في استشهاده ببيت الشعر الشهير لزهير بن أبي سلمى “وما الحربُ إلّا ما علمتُم وذُقْتُم”.

مبادرة رفع المصاحف

قال لي شيخ عبد الأحد مستشار رئيس السنغال: “كلّ شيء يتهاوى في السودان، ففي خلال شهرين فقط هبط إنتاج النفط بنسبة 90% وزاد عدد النازحين على مليون شخص”. وروى لي الوزير السابق نور الدين بركات جوانب ممّا حدث في دارفور، حيث قتلت أعداد هائلة من الفارّين من مدينة جنينة إلى مدينة أدري في تشاد، فيما المسافة التي لا تزيد على 27 كلم قطعها اللاجئون في 8 ساعات، وقد تناثرت جثث القتلى على طول الطريق لعدّة أيام.

لم يفقد المشاركون في اللقاء التشاوري لدول الساحل والسودان في نواكشوط الأمل، فالسياسة هي فنّ الممكن، وباب الأمل مهما كان مُحكَم الإغلاق فإنّ فتحه ليس مستحيلاً. فما يجمع أكثر ممّا يفرّق، وحسب أستاذ الفلسفة الموريتاني البارز الدكتور السيّد ولد أباه فإنّ بعض الهويّات القبليّة المتصارعة أو المتنافسة كانت تقع قبلُ في سياق قبَليّ واحد، وأمّا التفرقة اليوم فهي مصطنعة ومفتعلة. وبتعبير العلّامة الشيخ عبد الله بن بيّه في الورقة التأسيسية فإنّ “العرب والأفارقة أشقّاء، وهم متواصلون ومتداخلون، ومحاولة التفريق بينهم هي محاولة ضدّ الطبيعة الاجتماعية والتاريخ المشترك”.

يحتاج السودان إلى معجزة، لكنّها معجزة ممكنة، ولحسن الحظّ أغلب من قابلت من السودانيين يتحدّثون بثقة عن نهاية الحرب، ويتحدّثون بيقين عن إعادة الإعمار وتأسيس عقد اجتماعي جديد

في إطار البحث عن حلّ أو شبه حلّ، طرح الإعلامي الموريتاني الشيخ ولد السالك دوراً للطريقة التيجانية في تهدئة الوضع في السودان. وقد روى لي الأستاذ عبد الله ابن الشيخ ماحي إبراهيم نباس خليفة الطريقة التيجانية في إفريقيا، وقائع زيارة والده لدارفور قبل عام ولقائه الفريق عبد الفتاح البرهان وحميدتي ونجاحه في تهدئة الوضع المتدهور في غرب السودان.

طرح آخرون “مبادرة وجبة العشاء” لتزويد النازحين السودانيين بوجبة نهاية اليوم، وذلك أنّ الأطفال ينامون من دون عشاء. وطرح البعض الآخر مبادرة لرفع المصاحف في وجه الجميع في السودان والضغط الديني لوقف القتال.

صندوق الانتخابات أو صندوق الذخيرة

قال لي الوزير السابق نور الدين بركات: “لسوء الحظّ تراجع دور الحكماء في السودان، ورحل الإمام الصادق المهدي بعد سقوط البشير بقليل. لكنّ الحكمة تظلّ في الديمقراطية، والديمقراطية وحدها”.

من جهته، قال لي المفكّر الليبي الدكتور عارف النايض السفير السابق والمرشّح الرئاسي المحتمل: “الحلّ في السودان هو الحلّ نفسه في ليبيا.. الديمقراطية هي الحلّ”. وشرح الدكتور النايض رؤيته المميّزة في كلمته بنواكشوط كالتالي: “من خبرتنا في ليبيا لن ينجح أيّ حلّ خارجي، الحلّ يجب أن يكون سودانيّاً. وللأسف سرعان ما يؤدي تدخُّل المبادرات، حتى الحسنة النيّة منها، إلى إفساد الأمر”.

إنّ الحرب لا تحلّ المشاكل بل تزيدها، وهي تدمّر الدولة وتؤخّرها لعشرات السنين، كما هو حاصل في الصومال. إنّ المنتصرين في الحرب يعتبرون ثروة الوطن غنائم لهم، ذلك أنّ عقليّة الغزو هي التي تحكمهم، فالنفط أو الذهب لمن يفوز، وليس للوطن. ليس أمام الشعوب سوى خيارين: صناديق الانتخابات أو صناديق الذخيرة.

السلام ثمّ العدالة

يحتاج السودان إلى معجزة، لكنّها معجزة ممكنة، ولحسن الحظّ أغلب من قابلت من السودانيين يتحدّثون بثقة عن نهاية الحرب، ويتحدّثون بيقين عن إعادة الإعمار وتأسيس عقد اجتماعي جديد.

إقرأ أيضاً: هل انتهت دولة الوحدة في السودان؟

يتحدّث البعض عن العدالة والقصاص ومعاقبة من أجرم بحقّ المجتمع والدولة، لكنّ ذلك الحديث يبدو مبكراً، فالأمن يأتي أوّلاً. وحسب العلّامة الشيخ عبد الله بن بيّه يجب أن يسبق السلامُ العدالةَ، لا أن تسبق العدالةُ السلامَ، فالسلام أوّلاً، ثمّ يمكن أن يأتي كلّ شيء بعده.

قبل 67 عاماً أُسّس السودان المعاصر، وكان التحدّي الأكبر منذ ذلك التأسيس حتى الآن هو كيفيّة الحفاظ على وحدة الدولة، وقوّة المؤسّسات، ومركزية السيادة. كيف يمكن وقف التفكيك الاجتماعي ومواجهة الانكشاريين الجدد؟ متى يمكن تحطيم تلك المعادلة الصفريّة: السودان ضدّ السودان؟

whatsapp
أخبار ذات صلة