عودة بروف حميدة..

54

عودة بروف حميدة..
ضياء الدين بلال

لولا الاستقطاب السياسي وإقحام الكفاءات الوطنية في معارك التصنيف وصبغها بالألوان الحزبية وتلطيخ سمعتها بالشائعات وتبخيس عطاء أصحاب التجارب الكبيرة لنال البروفيسور مأمون حميدة ما يستحقه من تكريم واحتفاء.

لقد أثبت الرجل أن قوة المجتمعات وعظمة الشعوب لا تتجلى في أوقات الرخاء وإنما في قدرتها على مقاومة المحن والإصرار على استمرار الحياة رغم الموت والرصاص ودخان الحرائق.

فعلى الرغم من الدمار الهائل الذي خلفته الحرب وما ترتب على مغامرة حميدتي الانقلابية من انهيارات واسعة دفعت كثيراً من شركات ومؤسسات القطاع الخاص إلى التنصل من التزاماتها تجاه العاملين والاكتفاء ببيانات اعتذار خرج البروفيسور مأمون حميدة بموقف مختلف تماماً حين أعلن التزام جامعته بسداد مرتبات جميع العاملين كاملة غير منقوصة إلى أن تنجلي هذه المحنة.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك فبعد أن احتلت قوات المليشيا مباني الجامعة ودمرت معاملها ومكتباتها ونهبت ممتلكاتها منذ الخامس عشر من أبريل لم تستسلم الجامعة للأمر الواقع بل واصلت رسالتها التعليمية فقررت استكمال الدراسة لطلاب الكليات الطبية في تنزانيا ومصر ورواندا بينما واصل طلاب الكليات النظرية دراستهم عبر التعليم الإلكتروني في تجربة أكدت أن الإرادة أقوى من الخراب.

البروفيسور مأمون حميدة رجل عنيد في الحق شجاع في المواقف لا تنحني هامته للعواصف فعندما توقفت جامعات عديدة لسنوات بسبب الاحتجاجات وإغلاق الطرق لم تتوقف جامعته يوماً واحداً عن أداء رسالتها.

وحين استهدفته لجنة إزالة التمكين وسعت إلى تحطيم مؤسساته وتشويه سمعته لم تجد قضية واحدة تدينه .
وعندما عاد بقرار قضائي لإدارة المستشفى الأكاديمي وجد مؤسسة منهكة أتلفت مرافقها وسرقت أجهزتها واقتلعت حتى أرضياتها وقطعت أشجارها لتباع حطباً لكن الرجل بعزيمته وإدارته أعاد المستشفى إلى سابق عهده خلال أشهر معدودة.

واليوم وبعد أن تجاوز السبعين من عمره يعود إلى الخرطوم لا باحثاً عن منصب ولا سعياً إلى مكسب وإنما ليبدأ من جديد ويقود عملية إعادة إعمار جامعته وانتشالها من تحت ركام الحرب مؤمناً بأن المؤسسات العظيمة لا تموت ما دام وراءها رجال يؤمنون برسالتها.

إن الأمم لا تنهض إلا برجال يصنعون الأمل في زمن اليأس ويواصلون البناء حين يتوقف الآخرون ومهما اختلف الناس حول البروفيسور مأمون حميدة فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بما قدمه في هذه المحنة لأن التاريخ لا يحفظ أسماء من أكثروا الكلام وإنما يخلد الذين اختاروا العمل والبناء في أصعب الظروف.

whatsapp
أخبار ذات صلة