من الوفرة إلى الانحسار.. ماذا حدث لمناسيب النيل في السودان؟
متابعات تاق برس – لم يكن أمام سكان منطقة الصالحة جنوب أم درمان سوى شراء المياه أو اللجوء إلى الآبار المالحة، بعد توقف محطة المياه الرئيسية نتيجة انحسار النيل وابتعاد المياه عن مواقع الطلمبات، في أزمة دخلت أسبوعها الثاني وأثرت على آلاف الأسر.
وقال أحد سكان المنطقة لـ(راديو دبنقا) إن المياه انقطعت لمدة ستة أيام متواصلة، وستدخل غداً يومها السابع،بعد انقطاع سابق استمر أسبوعاً كاملاً قبل ثلاثة أيام فقط من الأزمة الحالية.
وأوضح أن الأسر اضطرت إلى شراء المياه المنقولة بالبراميل، حيث وصل سعر البرميل الواحد إلى عشرة آلاف جنيه،في ظل اعتماد المواطنين على مياه آبار وصفها بالمالحة، من بينها بئر موسى عابدين، وبئر مصنع نور الدائم، إلى جانب بئر تقع بالقرب من محطة المياه.
وأضاف أن المشكلة الأساسية تتمثل في جفاف المنطقة المحيطة بالطلمبات، بعد أن ابتعد مجرى النيل عن مواقعها، موضحاً أن السلطات دفعت بعدد من الآليات واللوادر لشق مجرى جديد يسمح بوصول المياه إلى آبار الطلمبات.
وأشار إلى أن المحطة بدأت تستعيد عملها بصورة تدريجية، إلا أن المياه لم تصل بعد إلى جميع الأحياء، بسبب اتساع المنطقة، حيث يجري الضخ أولاً إلى قرى الصالحة، قبل أن يمتد إلى مناطق صالحة القيعة وصالحة الظلط وبقية الأحياء.
تحركات لإعادة تشغيل المحطة
ومع اتساع نطاق الأزمة وتزايد شكاوى السكان، أعلنت حكومة ولاية الخرطوم دخولها في سباق مع الزمن لإعادة تشغيل محطة الصالحة، بعد أن أقرت بأن انخفاض منسوب النيل الأزرق أدى إلى خروج المضخات الساحبة عن الخدمة وقطع الإمداد عن عدد من الأحياء والقرى جنوب أم درمان.
وأجرى والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة زيارة ميدانية للمحطة، ووجه باستنفار الآليات والحفارات لفتح مجرى جديد للمياه وإزالة الطمي، مع توفير إمدادات بديلة للمواطنين خلال فترة التوقف، كما دعا إلى وضع حلول دائمة تشمل إعادة تموضع المضخات بالقرب من المجرى الرئيسي للنيل.
من جانبه، قال مدير هيئة مياه ولاية الخرطوم محمد أحمد عوض إن الفرق الفنية تواصل العمل لإعادة تشغيل المحطة خلال يوم أو يومين، معلناً بدء تنفيذ مشروع لحفر بئرين عاليي الإنتاجية لتوفير مصدر احتياطي للمياه. وأشار إلى أن استمرار انخفاض منسوب النيل حتى يوليو يُعد أمراً غير معتاد، مرجعاً ذلك إلى تأخر هطول الأمطار وضعف تدفق الأنهار الموسمية.
وبينما أرجعت هيئة مياه الخرطوم الأزمة إلى الانخفاض غير المعتاد في مناسيب النيل خلال يوليو، قدم خبير البنية التحتية والموارد المائية والسدود الباشمهندس أبوبكر محمد المصطفى في مقابلة مع (راديو دبنقا) تفسيراً فنياً أوسع، مستنداً إلى تطورات الوضع المائي في السودان خلال العام المائي الحالي.
من وفرة استثنائية إلى تراجع الإيرادات
وقال المصطفى إن العام المائي الممتد من أكتوبر 2025 حتى يونيو 2026 شهد وفرة استثنائية، إذ تراوح إيراد النيل الأبيض عند سد جبل أولياء بين 100 و200 مليون متر مكعب يومياً، بينما تراوح إيراد النيل الأزرق عند سد الروصيرص بين 150 و200 مليون متر مكعب يومياً، وهو ما أبقى مناسيب النيل الأزرق والنيل الأبيض ونهر النيل عند مستويات مرتفعة طوال تلك الفترة.
وأضاف أن الإيراد الخارج من سد مروي والمتجه إلى السد العالي لم يكن يقل عن 300 مليون متر مكعب يومياً الأمر الذي أدى إلى امتلاء بحيرة السد العالي وفتح المفيض، ثم فتح مفيض توشكى في أكتوبر 2025 لتصريف المياه إلى الصحراء الغربية في مصر، وهو ما وفر وضعاً مائياً وصفه بالمريح على امتداد وادي النيل في السودان ومصر.
لكن هذه الصورة، بحسب المصطفى، بدأت تتغير مع مطلع يوليو، عندما تزامنت عدة عوامل أثرت على الإيراد المائي، في مقدمتها بدء الموسم الزراعي وفتح المياه لمشروعي الجزيرة والمناقل، إلى جانب انخفاض إيرادات النيلين الأزرق والأبيض.
وأوضح أن المياه الخارجة من سد النهضة والمتجهة إلى محطة الديم السودانية تراوحت بين 150 و170 و180 مليون متر مكعب يومياً وهي الكميات التي تصل إلى سد الروصيرص، بينما يخرج من الروصيرص نحو 160 مليون متر مكعب يومياً، ثم ينخفض الخارج من سد سنار إلى ما بين 80 و100 مليون متر مكعب يومياً بسبب استخدامات الري.
وأضاف أن إيراد النيل الأبيض انخفض خلال يوليو إلى نحو 90 مليون متر مكعب يومياً، وكذلك النيل الأزرق ليصبح إجمالي الإيراد بعد التقاء النيلين نحو 180 مليون متر مكعب يومياً، مقارنة بنحو 300 مليون متر مكعب يومياً خلال الأشهر السابقة، وهو ما أدى إلى هبوط سريع في مناسيب النيل وانحسار المياه عن بعض الشواطئ والمناطق المرتفعة وظهور جزر رملية في عدد من المواقع.
لماذا تعطلت محطة الصالحة؟
ولم يقتصر أثر انخفاض الإيرادات على تراجع مناسيب النيل، بل امتد مباشرة إلى محطات مياه الشرب، وعلى رأسها محطة الصالحة، التي تأثرت بابتعاد المجرى الرئيسي عن مواقع الطلمبات.
وأوضح المصطفى أن محطات المياه اعتادت طوال العام الماضي على السحب من مناسيب مرتفعة وثابتة، ولذلك لم يكن الانحسار ظاهراً كما جرت العادة في السنوات السابقة، لكن هبوط المنسوب بنحو ثلاثة أمتار أدى إلى ضرورة خفض مداخل الطلمبات والأنابيب بالمقدار نفسه حتى تتمكن من السحب من المجرى الرئيسي.
وأكد أن ما حدث لا يمثل انخفاضاً حاداً في الموارد المائية ولا يعني أن السودان دخل مرحلة جفاف، وإنما يرتبط بانخفاض إيرادات النيلين، وضعف إيراد النيل الرئيسي وتأثيرات التخزين والتشغيل في سد النهضة، إلى جانب زيادة السحب للمشروعات الزراعية.
ورجح المصطفى تحسن الإيرادات خلال شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر مع تقدم موسم الأمطار، مشيراً إلى أن تصريف المياه من سد النهضة عبر بوابات توليد الكهرباء لن يقل عن 150 مليون متر مكعب يومياً،
ورغم توقعاته بتحسن الإيرادات خلال الأسابيع المقبلة، أشار المصطفى إلى أن مستقبل الموسم المطري ما يزال رهيناً بالتطورات المناخية، وهو ما يتقاطع مع التحذيرات التي أطلقتها منظمة إيقاد من تقلبات مناخية قد تشهدها المنطقة خلال النصف الثاني من العام، تشمل فترات جفاف تعقبها أمطار غزيرة وفيضانات، داعية دول الإقليم إلى الاستعداد المبكر لمواجهة آثارها على المياه والزراعة بينما تشير توقعات صادرة عن مراكز أرصاد أخرى إلى احتمال حدوث فترات جفاف.
وفي السياق، كشفت مصادر بوزارة الزراعة والري لـ(راديو دبنقا) أن انخفاض مناسيب النيل لم يقتصر على محطة مياه الصالحة، بل امتد تأثيره إلى محطة شمال بحري.
وقالت المصادر إن الوزارة لم تصدر حتى الآن بياناً رسمياً يوضح الأسباب المباشرة لانخفاض المناسيب، وما إذا كان مرتبطاً بتشغيل أو تخزين المياه في سد النهضة، أو بتأخر موسم الأمطار، أو بتداعيات التغيرات المناخية، مشيرة إلى وجود شح في المعلومات الرسمية بشأن أسباب الظاهرة، في وقت تتواصل فيه المتابعات الفنية لتقييم الوضع المائي.
