رحيل حاجة فاطمة طه محمد مصطفى..خالد هاشم خلف الله

132

رحيل حاجة فاطمة طه محمد مصطفى

خالد هاشم خلف الله
Kld.hashim@gmail.com

حين وقع الانقلاب الجنجويدى القحتى الفاشل فى صباح ١٥ أبريل ٢٠٢٣ والذى تحول لحرب ضروس بين القوات المسلحة التى تزود منذ ذلك الحين وحتى اليوم عن حياض الوطن والدولة السودانية ضد غزاة الجنجويد العطاوة يقف بجانبهم مؤازرا لهم فى عدوانهم على أهل السودان حمدوك ورهطه القحاتة البائسين اليائسين ، ومن خلفهم الأثنين مشيخة أبوظبي فى ساحل عمان كما كانت تعرف قبل تكونها كدويلة فى ١٩٧١ ، فى ذلك الصباح الذى اندلعت فيه الحرب كانت السيدة سعاد حسن علي كرار تقف على مشارف العام التسعين من عمرها وهى أبنة على حسن كرار هو معلم من طليعة خريجى كلية غردون التذكارية وأمها السيدة نفيسة كامل واحدة من رائدات العمل النسوى فى السودان.

 

 

 

حكت السيدة سعاد حسن علي كرار فى كتاب لها صدر قبل نحو عام نحو عام فى القاهرة عن اضطرارها لمغادرة بيتها فى حي بري المحس فى الخرطوم وهى فى تلك السن ، وسردت كيف وصلت للقاهرة برا من الخرطوم عبر معبر أرقين على حدود السودان مع مصر بعد رحلة لم يكن يتأتى لسيدة فى مثل سنها القيام بها ، واظن ان ذات الرحلة بذات التفاصيل قطعتها الراحلة الحاجة فاطمة طه محمد مصطفى فى رحلة لجوئها من الخرطوم الى القاهرة فى ذات الظروف ولذات السبب.

 

 

قبل عامين من اليوم كنت فى القاهرة، ذهبت رفقة زوجتى لزيارة حاجة فاطمة طه كما كان يحلو لنا مناداتها فى شقتها فى ضاحية مدينتي وهى مجمع سكنى راق شرق القاهرة ، حين جلست إليها وسألتني عن الوالدين وبقية الأهل فى السودان ثم صمتت لتسألنى بعدها ما قربنا نرجع لبلدنا وبيوتنا ؟ حتى ذلك الآوان كانت قبضة غزاة الجنجويد العطاوة على عاصمتنا لا تزال قوية والخرطوم البهية تتشح ثوب السواد وقد غدت خلو من ساكنيها فشابه حالها حال بغداد بعد ان اجتاحها المغول – وعندى المغول أكثر رأفة وأنسانية من غزاة الجنجويد العطاوة – تلك الحالة التى صورها الشاعر المعاصر لمأساة بغداد شمس الدين الكوفي (٦٢٣ – ٦٧٥ هجرية) فى عقابيل غزو المغول لها وكأنه يصور حال عاصمتنا الخرطوم بعد أن أطبق عليها ليل غزاة الجنجويد العطاوة الثقيل.

قِفْ في ديارِ الظاعنينَ ونادِها … يا دارُ ما صنعتْ بكِ الأيامُ
يا دارُ أين الساكنون وأين ذياك … البهاءُ وذلِك الإعظامُ
يا دارُ مذ أُفلتْ نجومك عَمنا … واللهِ من بعد الضياءِ ظلامُ

فأجبت حاجة فاطمة على سؤالها ، لسه والله لكن الجيش شغال كويس ، فى الأيام الأخيرة التى سبقت وفاتها وأدخلت فيها للعناية المكثفة أخبرتني كريمتها ندى أنها لم تقطع أملا فى عودتها الى بيتها فى الخرطوم وما أنفك يرادوها ذلك الأمل ، ولكن مشيئة الله وارادته قدرت أمرا أخر أن ترحل حاجة فاطمة طه بعيدا عن بيتها فى الخرطوم وأن تتوسد ثرى القاهرة بعيدا عن ثرى الخرطوم الذي ضم زوجها ورفيق عمرها وحياتها الراحل الكبير الدكتور مصطفى عبد الماجد الذى سبقها فى الرحيل عن الدنيا بما يزيد عن العقدين.

 

 

عند سفح جبل موية قرب سنار وعلى وجه التقريب فى مطلع اربعينيات القرن العشرين ولدت الحاجة فاطمة طه محمد مصطفى حين كان والدها ناظرا لمحطة السكة حديد فى ذلك الموضع ، والدها طه محمد مصطفى وهو جدى من الجهتين فهو عم والدنا وجد والدتى والد ابيها ، وجدنا طه محمد مصطفى والد حاجة فاطمة من القريداب الرباطاب وموطنهم جزيرة كرقس الواقعة الى الجنوب من أبو حمد وهى من ديار الرباطاب ، وقد ورد ذكر القريداب فى الجزء الخامس من موسوعة الأنساب والقبائل فى السودان لبروفسير عون الشريف قاسم وذكر أن القريداب فرعان فرع بجزيرة كرقس بالرباطاب وفرع اخر يقيم بديم القريداب فى رفاعة شرق الجزيرة ورفع نسبهم الى الخليفة الأول ابوبكر الصديق ، وقد التحق والد الحاجة فاطمة طه محمد مصطفى بالسكة الحديد وغالب الظن عندى أنه من واوئل السودانيين طرا الذين التحقوا بالسكة الحديد عند دخولها السودان على يد الانجليز فى أثناء سيرهم تجاه أم درمان لإسقاط دولة عبد الله التعايشى الجنجويدية ، فقد ولد جدنا طه محمد مصطفى والد الراحلة الحاجة فاطمة فى حدود عام ١٨٨٣ فى جزيرة كرقس وهناك أقوال أخرى ترجع بتاريخ ميلاده للعام ١٨٧٨ وقد عمر جدنا طه عم والدنا حتى توفى فى صيف ١٩٨٣ عن مائة عام بالتمام والكمال رحمه الله، اما والدة الحاجة فاطمة فهى كلتوم بت الطيب سليمان من الجعليين وسكن أهلها المحمية أحدى قرى الجعليين المعروفة ، وكانت جدتنا كلتوم وحيدة والديها، وعاش أهلها بين موطنهم فى المحمية فى ديار الجعليين وفى حى ابوروف بام درمان وقرية ود السيد شرق رفاعة فى الاطراف الغربية الجنوبية لسهل البطانة الواقع بين نهر العاديك وهو النيل الازرق ونهر تكازى كما يسميه الاحباش وهو نهر عطبرة ، ودرست الحاجة فاطمة طه المرحلتين الأولية والوسطى ثم اقترنت فى حدود عام ١٩٥٥ بابن عمها والطالب فى مدرسة كتشنر الطبية – كلية الطب جامعة الخرطوم لاحقا – يومها مصطفى محمد عبد الماجد وانجبا صلاح الذى غدا طبيبا مثل والده ثم نادية ومحمد ومنال وماجدة ومعاوية الذى هصرت المنون غصن شبابه فى حادث حركة فى طريق الخرطوم مدنى قضى فيه هو ومعه ابن خاله وخال كاتب هذه الاسطر عاطف محمد طه فى عام ١٩٨٩ ثم اخر العنقود فى هذه الأسرة الماجدة كريمتهم ندى مصطفى محمد عبد الماجد.

 

 

برحيل حاجة فاطمة طه نفتقد ركن من أركان الرحمة والمودة وطيف من أطياف الألفة ، كانت دائمة الدعاء لنا بالسداد والنجاح وكانت تدعو لنا قبل زواجنا بأن يرزقنا الله الصالحات وأن ينعم علينا بالذرارى البارة بنا ، ونحن اليوم ندعو لها بالرحمة والمغفرة ، وأن يجعلها منعمة فى قبرها ، وخالدة فى الفراديس العلا من الجنة ، وإن لله وإنا إليه راجعون …

أبنك المكلوم
خالد هاشم خلف الله

عطبرة فى ٥ أكتوبر ٢٠٢٦

whatsapp
أخبار ذات صلة