مجزرة القيم !!

176

بالمنطق

بقلم: صلاح الدين عووضة

وأبدأ بحكاية شخصية..
فحين جلست لامتحان فلسفة القيم – في عامنا الجامعي الفلسفي الأخير – لم أتقيد بما علمنا إياه أستاذ القيم.
وإنما توسعت – في إجاباتي – لتشمل قيما عليا لفلاسفة لم يذكرهم أستاذنا هذا الدكتور مدين..
سيما القيم الأخلاقية للفيلسوف الفرنسي – والحائز على جائزة نوبل في الأدب – هنري بيرغسون..
و توقعت أن يثير ذلك غضبه  لتفكيري (خارج صندوق) منهجه الدراسي..
بيد أن فوجئت يمنحه إياي درجة الامتياز..
وما ذاك إلا لأنه كبير ؛ وذو قيم..
و البرهان إن لم يكن كبيرا – وذا قيم – لما أدار حربنا الجنونية هذه بإسلوب التفكير (خارج الصندوق الحربي)..
فعدونا كان أكثر عددا وعدة وعتادا ؛ فضلا عن افتقاره إلى أي قيم دينية وأخلاقية وسودانوية..
ولا ننسى أخويه كباشي والعطا كذلك ؛ على صعيد القيم هذه..
ثم لا ننسى ما تحلى به غالب شعب السودان – عد قلة بعضها هرب وبعضها خان – من قيم الصبر والصمود والتضحية والتعاضد..
فحياة البشير إن خلت من القيم فلا معنى لها..
ومن منطلق القيم هذه نتمنى أن لو خرج البرهان على الناس ببيان توضيحي عما أدى إلى مجزرة شمال الوادي..
وقد خاطبت مدير مكتبه – ذي القيم الفاضلة أيضا – اللواء طارق مسعود في هذا الشأن عبر رسالة..
فالشعب يا برهان مفجوع ومصدوم و(مفروس)..
فروح سوداني واحد تزهق هدرا ليس بالأمر الهين – من زاوية قيمنا هذه – دعك من أكثر من مئتي روح..
والمؤلم أكثر أنهم ماتوا بأيد خارجية – أيا كانت – تنافس مليشيا آل دقلو استهانة بالدم السوداني..
وكذلك حلفاءها السياسيين الذين لا تعني لهم أرواح شعبنا سوى وسيلة  ميكافيلية رخيصة لبلوغ السلطة..
وما ذاك لأنهم هم أنفسهم رخيصون لتجردهم من القيم في حدها الأدنى..
ورخيصون كذلك – وهم يبيعون موقفهم بثمن رخيص – لتجردهم من الوطنية في حدها الأدنى..
ويكفي أن نضرب مثلا على قولنا هذت بحدثين وقعا في توقيت زماني واحد..
فاليوم نفسه الذي شهد مجزرة المعدنين بشمال الوادي صدر بيان من شبكة أطباء السودان عن مجزرة سجن دقريس بنيالا..
مجزرة راح ضحيتها عدد من المواطنين يماثل ذاك الذي وقع بشمال الوادي..
ومنهم من كان سبب وفاته نزع أعضاء من جسمه بغرض البيع..
فلم تحرك هذه المجزرة البشعة شعرة من رموش أعين أفراد صمود المصوبة فقط نحو ما يجري تحت سيطرة الجيش..
بينما تحركت ألسنتهم نقدا ساخنا للبرهان – وحكومته – على خلفية مجزرة شمال الوادي..
وطفقوا يذرفون دموع التماسيح تباكيا على (أرواح سودانية غالية أزهقت بلا ذنب) حسب مفردات نواحهم الكاذب..
طيب هل أرواح ضحايا مجزرة دقريس ليست بغالية؟…وهل كانوا قد اقترفوا ذنبا؟!..
إنها ازدواجية معايير في أحط درجات انحطاطها القيمي..
وكان بودنا أن نناشد رئيس وزراء حكومة الأمل بإصدار بيان – ذي قيم وطنية – حول هذه المجزرة لولا أننا فقدنا فيه (الأمل)..
فسيادته مشغول بمؤتمرات (الرغي) ، والتجوال ذي الكاميرات ، وفتح بلاغات في زميلنا عبد الماجد عبد الحمد ، وآخرين قد أكون أنا نفسي أحدهم عند نشر  كلمتنا هذه..
وقد يعيد لنا الأمل المفقود فيه هذا لو أتبع كلامه عن التقشف الحكومي أمس بالعمل..
وليبدأ بمحافظة بنك السودان التي (صعدت) بسقف مخصصاتها لمستويات جنونية في وقت (يتهاوى) فيه كل شيء ببلادنا إلى حد الجنون..
ولأحك له – ولها – حكاية ذات صلة وقعت أحداثها في فترة من تأريخنا السياسي القريب عقب الاستقلال..
فوزير المالية آنذاك – حسين الهندي – وضع سياسة تقشفية بدأها بمجلسي السيادة والوزراء..
وأصدر قرارا بتخصيص عربة  واحدة فقط – ماركة همبر – لكل وزير..
أتعلم يا صاحب حكومة الأمل – ويا محافظة البنك المركزي – كم كان يساوي جنيهنا وقتها إزاء العملات الحرة ذات (القيمة) ؟!..
ولن نذكر الدولار الذي بتنا نخجل من الإشارة إلى قيمته مقابل جنيهنا المسكين في أيامنا هذه..
دولار (بتاع مين) ؟… جنيهنا كان يعادل ثلاثة جنيهات استرلينية ، وبزيادة نصف جنيه (كمان)..
فيا أخي كامل إدريس ؛ والله العظيم قلبي معك ، ولكن فقط حاول التفكير خارج الصندوق..
ولا تنس أن تستصحب قيمنا في محاولات تفكيرك هذه ؛ ومنها قيمة التقشف الحكومي – عند الأزمات – التي انتهجها الهندي..
فنحن لا نكاد نعرف (املا) في زماننا هذا – من بعد الله – إلا الذي يتمثل في البرهان..
أو الذي يجسده البرهان ؛ انحيازا لنبيل القيم وجليها وعظيمها..
وكما دعوتك بالأمس لكي تصدر لنا بيانا (تصحيحيا) ينقذنا من حكومة فاقدي القيم القحطاوية – أيام سيء الذكر حمدوك – أدعوك اليوم لإصدار بيان تشرح لنا فيه ملابسات مجزرة شمال الوادي..
فمجزرة القيم لا تقل بشاعة عن مجازر فاقدي القيم من جماعة صمود وتأسيس و(النهب) السريع..
وعن مجزرة دقريس..
ترى كم كان سيمنحني أستاذنا مدين – من تقدير – لو قرأ كلمتي هذه؟..
فهو كان يطبق فلسفة قيمه على حياته..
وما الحياة إن خلت من القيم؟!.

whatsapp
أخبار ذات صلة