المدينة المحاصرة: كيف غيّرت الحرب ملامح الحياة في الأبيّض.. معاناة وتفاصيل كارثية
الأبيض – تقرير – تاق برس
يعيش سكان مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان أوضاعاً إنسانية كارثية في ظل تصاعد هجمات الطائرات المسيرة والحصار الخانق الذي تتعرض له المدينة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، مما أدى إلى تفاقم الأزمات بخاصة الغذاء نتيجة شح السلع وارتفاع أسعارها لمعدلات قياسية تفوق قدرة المواطنين.
إلى ذلك تسببت هجمات الطائرات المسيرة في توقف محطات الكهرباء والوقود والمياه في الأبيض، الأمر الذي أدى إلى مضاعفة معاناة آلاف السكان، فضلاً عن استهداف قوات “الدعم السريع” الأحياء السكنية والأعيان المدنية بالقصف المستمر، مما أسفر عن سقوط ضحايا بين المدنيين وإحداث دمار واسع في البنية التحتية.
أيام عصيبة
في السياق تقول تهاني الدخري التي تسكن منطقة الصالحين لـ(تاق برس)، إن “المواطنين يعيشون أياماً عصيبة وسط ظروف إنسانية قاسية بخاصة في ظل هجمات “الدعم السريع” المتصاعدة بالطائرات المسيرة، مما أدى إلى أضرار واسعة في المرافق المدنية والخدمية، لا سيما محطات الكهرباء والمياه.
وأضافت أن “أكثر ما يعانيه السكان هو أزمة مياه الشرب الخانقة وقطوعات الكهرباء، إذ يضطر معظم سكان احياء المدنية إلى شراء حاجتهم من المياه من أصحاب عربات “الكارو” و”التناكر” بأسعار باهظة، بينما يعتمد بعضهم الآخر على المياه التي توزعها منظمات الإغاثة بكميات محدودة، في وقت تضررت محطات الضخ وانقطعت شبكات الإمداد لفترات طويلة.
وتابعت الدخري “نقضي ساعات في البحث عن جركانة (20 ليتراً) ماء واحدة تكفي يومنا، أحياناً نعود بلا ماء، وأحياناً نشتريها بأضعاف السعر، خصوصاً بعد ارتفاع سعر برميل المياه (12 جركانة) إلى 45 ألف جنيه سوداني، (ما يعادل 12 دولاراً) للبرميل الواحد.
انهيار المستشفيات
بدوره وصف هشام الشريف الذي يقطن منطقة القلعة الوضع الصحي بأنه الأسوأ ويمضي نحو الانهيار بخاصة بعد تعرض المستشفيات والمرافق الصحية للقصف المتعمد من قبل قوات “الدعم السريع” على مدى أكثر من ثلاثة أسابيع، مما أدى إلى خروج نحو 60 في المئة من المرافق الطبية عن الخدمة، علاوة على مغادرة الأطباء من المدينة وانعدام الأدوية المنقذة للحياة والأساسية.
وأوضح أنه “من المرجح أن يزداد الوضع الصحي خطورة مع دخول فصل الخريف وتفشي أمراض الكوليرا والملاريا والحصبة.
ونوه الشريف في حديثه لـ(تاق برس) بأن “معاناة مرضى الفشل الكلوي تفاقمت بشكل كبير هذا الأسبوع بسبب توقف ماكينات الغسيل وانقطاع الأدوية ونفاد المدخرات المالية، مما اضطر كثيراً منهم إلى إرسال نداءات استغاثة بعد ما اقتربوا من حافة الموت أكثر من مرة.
أزمات ومخاوف
على الصعيد نفسه أشار الناشط المجتمعي فاروق الطيب في حديثه لـ(تاق برس) إلى أن “معظم الأسر سارعت إلى تخزين ما تيسر من مواد غذائية ووقود ومياه الشرب، في حين اتجه آخرون إلى سحب مدخراتهم النقدية من البنوك خشية توقف الخدمات المصرفية أو تعطل وسائل الدفع الإلكتروني، وتفقد بعض السكان الطرق المؤدية إلى القرى المجاورة تحسباً إلى اضطرارهم إلى المغادرة بصورة مفاجئة في حال اندلاع معارك داخل المدينة.
وبين الطيب أن “الحصار المفروض على مدينة الأبيض أدى إلى إغلاق عدد من الطرق الرئيسة المؤدية إليها، وتراجعت حركة الإمدادات التجارية والإنسانية، مما فاقم الأزمة المعيشية مع تراجع توفر السلع الأساسية وارتفاع أسعار بعضها بنسبة وصلت إلى 300 في المئة.
وتابع “تتزايد المخاوف من تفاقم حجم الكارثة الإنسانية المحتملة، إذ تضم الأبيض أكثر من 563 ألف مدني، وتستضيف حالياً ما يزيد على 105 آلاف نازح فروا من أعمال العنف في ولايتا غرب وجنوب كردفان.
خطر وشيك
من جانبها حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو من تصعيد القتال في مدينة الأبيض لناحية أنه قد يعرض مئات آلاف المدنيين لخطر وشيك يتمثل في اندلاع أعمال عنف واسعة النطاق.
وأفادت بأن هجمات الطائرات المسيرة قد تزايدت بشكل ملحوظ خلال الأسبوعين الماضيين، في وقت عززت فيه “الدعم السريع” وجودها حول عاصمة شمال كردفان.
ونوهت بأن فرصة تجنب تصعيد أوسع في الأبيض تتضاءل بسرعة، محذرة من أن اندلاع معركة شاملة في المدينة سيؤدي إلى موجات نزوح جديدة نحو مناطق وصفتها بأنها منهكة أصلاً، وسيزيد من حدة عدم الاستقرار في إقليم كردفان، ومن المرجح أن يطيل أمد النزاع.
مطالبة بنشر قوة حماية
على نحو متصل، دعت منظمة العفو الدولية إلى نشر قوة دولية لحماية المدنيين في السودان بصورة عاجلة، في ظل تصاعد العنف بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، وما خلفه النزاع من كارثة إنسانية غير مسبوقة.
وقالت المنظمة إن “قوة حماية “قوية وفعالة” باتت ضرورية لردع الهجمات على المدنيين، وحماية النساء والأطفال والفئات الأكثر عرضة للخطر، وتهيئة ظروف آمنة لوصول المساعدات الإنسانية، داعية الجمهور إلى توقيع عريضة تطالب بنشر هذه القوة في السودان.
وتشير أمنستي إلى أن النزاع المستمر منذ أبريل 2023 خلف عشرات الآلاف من القتلى، وتسبب في أزمة إنسانية حادة، مع أكثر من 10.5 ملايين نازح داخل السودان و4 ملايين فروا إلى دول الجوار، ليصبح البلد مسرحا “لأسوأ أزمة نزوح في العالم”.
وتشير إلى إن أكثر من 30 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما تعاني مناطق واسعة مثل دارفور وكردفان من الجوع الحاد.
نزوح جماعي
في الأثناء، كشف نظام تتبع النزوح التابع لمنظمة الهجرة الدولية عن تسجيل نزوح نحو 219,319 شخصاً من إقليم كردفان خلال الفترة بين 25 أكتوبر 2025 و23 يونيو 2026.
وأوضح النظام أن “النازحين توزعوا على 1,012 موقعاً في 89 محلية عبر 14 ولاية في السودان، في ظل استمرار تداعيات النزاع واتساع رقعة النزوح إلى ولايات مختلفة في البلاد.
وتقع الأبيض، التي يبلغ عدد سكانها أصلاً نصف مليون وأصبحت تؤوي نحو 100 ألف نازح بسبب العنف في المناطق المجاورة، على طريق حيوية تربط إقليم دارفور الذي تسيطر عليه قوات “الدعم السريع” في الغرب بوسط وشرق السودان حيث مناطق سيطرة الجيش.
