إطلاق الرصاص في الأعراس بالسودان.. لماذا تفشل القوانين في وقف قاتل الأفراح؟
متابعات تاق برس – عريس يُحمل على نعش بدل أن يُزف إلى منزله. هكذا انتهى حفل زواج في أم درمان، بعدما أطلق أحد الحاضرين رصاصة احتفالًا بالزواج، لتتحول المناسبة إلى مأتم.
المشهد ليس جديدًا في السودان. خلال السنوات الماضية، تكررت حوادث إطلاق الرصاص في الأعراس والمناسبات الاجتماعية، وسقط بسببها قتلى وجرحى، بينهم أطفال. ومع كل حادثة تعود الدعوات إلى المنع والتشديد، ثم تهدأ الضجة لتعود الرصاصات مجددًا في مناسبة أخرى.
حوادث تتكرر رغم الموت
قبل حادثة أم درمان بأيام قليلة، قُتل طفل يبلغ 14 عامًا وأُصيب ثلاثة أطفال آخرين إثر إطلاق عريس أعيرة نارية خلال حفل زواجه بالقرية 37 في ولاية الجزيرة.
وفي يوليو 2026، قُتلت والدة عريس وامرأة أخرى وأُصيب ثلاثة أشخاص في حفل زفاف بقرية المشروع الفرسان في ولاية القضارف، بعدما أطلق أحد المنتمين للقوات النظامية النار ابتهاجًا. وقبل نحو اربعة أشهر، أُصيب طفلان في أمبدة بولاية الخرطوم إثر إطلاق ذخيرة “دوشكا” في حفل زفاف، ما دفع الأهالي إلى الاعتقاد للحظات بأن الحرب عادت إلى الحي.
ومن أشهر الحوادث السابقة مقتل العريس الزاكي حسن الزاكي عام 2021 في مدينة الدامر، برصاصة أطلقها صديقه احتفالًا بزفافه. أثارت الحادثة حملة “أفراح بلا سلاح” على مواقع التواصل الاجتماعي. وقبلها شهدت الدمازين حادثة مشابهة قُتل فيها عريس برصاص صديقه ليلة زفافه، فأطلقت حملة “كفاية” للمطالبة بتشريع رادع.
تكرار هذه الوقائع يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها أخطاء فردية. نحن أمام ممارسة اجتماعية مستقرة نسبيًا، تتجدد مع كل مناسبة رغم أن نتائجها أصبحت معروفة للجميع.
القانون موجود.. فأين الردع؟
وكان المجلس الوطني قد أجاز في ديسمبر 2018 تعديلًا على قانون الأسلحة والذخيرة والمفرقعات، قبل أن يوقعه رئيس الجمهورية في يناير 2019، ونُشر لاحقًا في الجريدة الرسمية في فبراير من العام نفسه، وأضاف المادة 26-1 التي تحظر صراحةً “استعمال الأسلحة النارية في المناسبات الاجتماعية”. كما صدرت قرارات ولائية ومحلية تؤكد المنع.
ورغم ذلك، استمرت حوادث إطلاق النار في الأعراس، وسقط قتلى وجرحى طوال السنين السابقة.

ويقول المحامي عزام عبد اللطيف، إن القرارات الولائية والمحلية تتيح معاقبة المخالف بالمصادرة أو الغرامة، فيما يُفتح بلاغ بموجب قانون الأسلحة والذخيرة إذا كان السلاح غير مرخص.
وبذلك، تبدو الفجوة الأساسية في إنفاذ القانون والمحاسبة؛ فوجود نص يحظر إطلاق النار لا يكفي ما لم تقترن مخالفته بإجراءات واضحة وعقوبات تُطبق فعليًا.
فرح أم استعراض للقوة؟
في الجانب الاجتماعي، ترى الباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم، أن إطلاق الرصاص ارتبط في المجتمع السوداني بالتعبير عن الفرح، رغم أن الممارسة قد تقلب الفرح إلى عزاء.
وتقول إن “الاستعراض بالسلاح” أحد أسباب الظاهرة، إلى جانب “استخدام إطلاق النار كإشارة إلى إتمام عقد القران، في حين توجد وسائل أخرى للتعبير عن الفرح، مثل الزغاريد والرقص والدلوكة والإيقاعات المختلفة بحسب الثقافات السودانية”.
وترى ثريا أن الظاهرة ترتبط أيضًا بـ”ثقافة العنف في المجتمع، وضعف الوعي بخطورتها، رغم تكرار حالات الفقد والموت، إضافة إلى ضعف الرقابة القانونية والأمنية وغياب المحاسبة”.
ويذهب مراقبون إلى أن السلاح في بعض المناسبات يصبح وسيلة لاستعراض القوة والفحولة والمكانة الاجتماعية. وقد زادت الحرب من خطورة هذا السلوك بعدما جعلت السلاح أكثر انتشارًا وحضورًا في الحياة المدنية.
وفي السياق، أنتج انتشار السلاح أثرًا نفسيًا معاكسًا لدى كثير من المدنيين، خصوصًا الأطفال الذين عاشوا أصوات القصف والاشتباكات. حيث لم يعد صوت الرصاص بالنسبة إليهم إشارة إلى الفرح؛ اذ قد يعني خطرًا وشيكًا. ولهذا أصبحت بعض الأسر يتجنبون حضور الحفلات التي يُعرف عنها إطلاق النار.
فشل قانوني ومجتمعي
منذ سنوات، تتكرر الأوامر الولائية والمحلية دون أن تتوقف الظاهرة. وفي بعض المناطق ذهبت السلطات إلى تحميل العريس نفسه مسؤولية إطلاق النار في حفل زواجه، بينما صدرت في مناطق أخرى تعليمات للمأذونين بعدم إجراء عقد القران عند ظهور السلاح أو إطلاق النار.
لكن السؤال الأهم: كم مرة اقتيد شخص إلى الحراسة ثم إلى المحكمة لأنه أطلق النار في حفل زفاف؟
تشديد القانون ضروري، غير أن القانون الذي لا يُنفذ لا يصنع ردعًا. كما أن المشكلة لا تُحل فقط بإضافة عقوبة جديدة إذا ظل التعامل الاجتماعي مع المخالفة قائمًا على التسامح.

في المجتمع السوداني، يمكن أن يتدخل “الأجاويد” بعد وقوع الحادثة، فتتحول المخالفة من فعل يستوجب المساءلة إلى خطأ يمكن احتواؤه بالمجاملة والتسوية. لذلك يحتاج الأمر إلى سلوك اجتماعي جديد يسبق تدخل الشرطة والمحكمة: أن يرفض أهل المناسبة أصلًا دخول المسلح إلى الحفل، وأن يوقف الحاضرون من يحاول إطلاق النار، وأن يصبح إطلاق الرصاص في مناسبة اجتماعية فعلًا مرفوضًا اجتماعيًا قبل أن يكون مخالفة قانونية.
ببساطة لأن المسافة بين القرارات التي تتكرر منذ سنوات والوفيات التي تتكرر كل بضعة أشهر تمثل فجوة في الإنفاذ والوعي والقبول الاجتماعي.
وما لم ترتفع كلفة إطلاق الرصاص على مطلقه، ويصبح رفضه جزءًا من ثقافة المناسبة نفسها، ستظل الرصاصة التي يُفترض أن تعلن الفرح قادرة على تحويل الزفة إلى مأتم.
“نقلا عن الترا سودان”
