تحقيق أميركي: وثائق ومقاطع مصورة تثير شبهات حول برنامج سري للأسلحة الكيميائية في السودان

59

متابعات تاق برس – أثار تحقيق نشرته صحيفة «واشنطن بوست» تساؤلات جديدة بشأن ما وصفته ببرنامج سري محتمل لتطوير وتخزين أسلحة كيميائية في السودان، مستندة إلى مجموعة من الوثائق ومقاطع الفيديو والرسائل الإلكترونية التي قالت إنها حصلت عليها عبر مسؤولين أمنيين في الشرق الأوسط، نقلوها بدورهم عن مصادر داخل السودان.

وبحسب التحقيق، تتضمن المواد إشارات إلى مساعٍ من جانب مسؤولين عسكريين سودانيين لتطوير ذخائر تحتوي على «غاز خانق»، إلى جانب محاولات لإخفاء مواقع تصنيع الرؤوس الحربية داخل منشآت عسكرية وإجراء تجارب في مناطق صحراوية بعيدة.

وتحدثت وثائق أخرى، وفق الصحيفة، عن وجود مخزون يصل إلى نحو 290 ذخيرة كيميائية، فيما أظهرت مقاطع مصورة ما قالت «واشنطن بوست» إنها تجارب أنتجت سحبًا من بخار أصفر مائل إلى الأخضر، وهو مظهر قال خبراء للصحيفة إنه يتوافق مع خصائص غاز الكلور.

أدلة لافتة.. لكن دون إثبات نهائي

وللتأكد من المواد، عرضت الصحيفة الوثائق والتسجيلات على أكثر من 20 مسؤولًا سابقًا في أجهزة استخبارات غربية، إلى جانب مفتشين سابقين في مجال الأسلحة الكيميائية وخبراء في منظمات حقوقية.

وقالت الصحيفة إن الخبراء اعتبروا المواد ذات مصداقية وتوفر مؤشرات قوية على وجود برنامج للأسلحة الكيميائية، إلا أنهم أكدوا أن الأدلة المتاحة لا تكفي وحدها لحسم حجم الترسانة المزعومة أو تحديد ما إذا كانت جميع الذخائر قد صُنعت أو خُزنت بالفعل، فضلًا عن عدم إمكانية التحقق بصورة مستقلة من مصيرها.

ونقلت «واشنطن بوست» عن غاريث وليامز، المسؤول السابق في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أن المؤشرات الواردة في المواد تتوافق بدرجة كبيرة مع وجود برنامج للأسلحة الكيميائية، لكنه شدد على أن إثبات تخزين ذخائر محملة بالكلور يحتاج إلى أدلة ميدانية إضافية، ولا يمكن حسمه من الصور والتسجيلات وحدها.

رسائل تتحدث عن استهداف مواقع للدعم السريع

وتشير مجموعة من الرسائل الإلكترونية التي حصلت عليها الصحيفة، والمنسوبة إلى ضباط في الجيش السوداني، إلى نقاشات بشأن إمكانية استخدام ذخائر كيميائية ضد مواقع تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

وفي إحدى الرسائل، وردت إشارة إلى ثكنات للشرطة وأبراج حراسة، مع حديث عن استهداف الموقع باستخدام الغاز بهدف إجبار القناصة على مغادرة مواقعهم، بما يتيح للقوات المهاجمة تحييدهم.

لكن التحقيق لم يتمكن من إثبات ما إذا كانت تلك الذخائر قد استُخدمت فعليًا في الهجوم على الموقع المشار إليه.

كما تضمنت مواد أخرى رسالة يُعتقد أنها وُجهت إلى ضابط مسؤول عن الغارات الجوية، وأُرفقت بمقطع مصور لشخص يبدو أنه أصيب بجروح بالغة، مع تعليق ساخر يشير إلى «طبختك».

كيف دخل الكلور في القصة؟

وبحسب التحقيق، فإن البرنامج المزعوم اعتمد على مواد ومكونات متاحة بصورة اعتيادية، من بينها الكلور الذي يُستخدم على نطاق واسع في تنقية ومعالجة مياه الشرب.

وأظهرت الصور، وفق «واشنطن بوست»، أسطوانات وحاويات خضعت لتعديلات بهدف استخدامها كذخائر، إلى جانب نظام بدائي لتعبئة ذخائر بالكلور المسال.

ويُعد الكلور مادة مشروعة في الاستخدامات المدنية، إلا أن إطلاقه بتركيزات مرتفعة في إطار هجوم يمكن أن يجعله عاملًا سامًا يتسبب في أضرار خطيرة للجهاز التنفسي.

ويربط التحقيق هذه الجزئية بتحقيقات سابقة تتبعت بعض خزانات الكلور التي ظهرت في مواقع مرتبطة بهجمات وقعت عام 2024، وصولًا إلى مورد في الهند، قال إن الشحنات التي باعها كانت مخصصة لمعالجة المياه.

عقوبات أميركية واتهامات متواصلة

ويأتي الكشف الجديد بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على السودان على خلفية هجومين قالت واشنطن إن هناك اشتباهًا في استخدام غاز الكلور خلالهما في سبتمبر 2024.

ووفق التحقيق، توحي المواد الجديدة بأن النشاط المرتبط بتطوير الذخائر الكيميائية ربما استمر بعد تلك الهجمات، فيما تتحدث بعض الرسائل عن تجميع وتخزين مئات القنابل في قاعدة مروي الجوية، واستخدام جزء منها.

في المقابل، تنفي السلطات السودانية والجيش السوداني الاتهامات المتعلقة بتطوير أو استخدام الأسلحة الكيميائية. وقالت الصحيفة إن الحكومة والجيش لم يردا على طلباتها للتعليق على ما ورد في التحقيق.

التزام دولي يضع الخرطوم أمام تداعيات محتملة

وتكتسب هذه الاتهامات حساسية خاصة في ضوء التزامات السودان الدولية، بعدما انضم إلى اتفاقية الأسلحة الكيميائية عام 1999، وهي اتفاقية تحظر تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وتخزينها واستخدامها، وتفرض على الدول الأطراف التزامات تتعلق بالإعلان والتفتيش والتحقق الدولي.

ويأتي ذلك بينما تستمر الحرب في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وسط اتهامات متبادلة بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن الحرب تسببت في نزوح أكثر من 13 مليون شخص، فيما وثقت جهات دولية ومحلية انتهاكات شملت القتل والعنف الجنسي واستهداف منشآت مدنية.

وفي حال تأكد استخدام أسلحة كيميائية في السودان، فإن ذلك سيمثل تطورًا بالغ الخطورة في مسار الحرب، وقد يفتح الباب أمام تداعيات قانونية ودولية أوسع بحق الجهات أو الأشخاص المسؤولين.

لكن تحقيق «واشنطن بوست» نفسه يبقي الباب مفتوحًا أمام مزيد من التحقق، إذ يؤكد أن تحديد حجم المخزون الكيميائي المزعوم، ومصيره، وما إذا كانت الأسلحة قد استُخدمت بالفعل، يتطلب الوصول إلى المواقع المعنية وإجراء تحقيقات ميدانية والاستماع إلى شهود، وهي خطوات تعذر تنفيذها حتى الآن بسبب استمرار الحرب.

whatsapp
أخبار ذات صلة