الفاشر بعد عام.. عودة حذرة وحياة تحت الرقابة
متابعات تاق برس – لا يزال الحذر يخيّم على سكان الفاشر بولاية شمال دارفور غربي السودان، رغم مرور عام على توقف القتال، حيث يواجهون رقابة صارمة ومحدودية في الخدمات.
وتحدث مدنيون بقوا في الفاشر أو عادوا إليها عن مخاطر يواجهونها، إلى جانب محدودية المساعدات والرقابة، فضلًا عن تزايد حالات الاعتقال، خصوصًا بين الرجال، بدعوى التخابر لصالح الجيش والقوة المشتركة المتحالفة معه.
ويوجد في الفاشر حاليًا أقل من 70 ألف شخص، مقارنةً بعدد سكانها قبل الحرب الذي كان يتجاوز مليون نسمة، بحسب منظمة العفو الدولية نقلًا عن منظمات إنسانية عاملة في المدينة.
وسيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر في 26 أكتوبر 2025، عقب قتال استمر 18 شهرًا مع الجيش السوداني والقوة المشتركة المساندة له، استُخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، إلى جانب الطائرات الحربية والمسيّرة.
الحياة اليومية
وقال أحد السكان الذين عادوا إلى الفاشر واستقروا فيها لـ”دارفور24″ إن قوات الدعم السريع وفّرت، في بداية سيطرتها على المدينة، أكثر من خمسة مخابز لتوزيع الخبز مجانًا، إلا أن الدعم تقلص مع مرور الوقت، وارتفع سعر أربعة أرغفة إلى ألف جنيه.
وذكر أن سعر جوال السكر يتراوح بين 300 ألف جنيه نقدًا و350 ألف جنيه عبر التطبيقات المصرفية، مشيرًا إلى توافر الذرة وبعض السلع الأخرى، وهو ما أرجعه إلى قلة عدد السكان في المدينة.
وعلى الصعيد الصحي، أعادت قوات الدعم السريع تأهيل عدد من المنشآت الطبية التي تعرضت للقصف المكثف خلال أشهر الحصار، واستقدمت كوادر طبية من خارج المدينة.
وأكد مصدران طبيان متطابقان من الفاشر لـ«دارفور24» إعادة تأهيل المستشفى السعودي والمستشفى التعليمي، واستقدام كوادر طبية من نيالا، إلى جانب إعادة افتتاح أقسام الجراحة والأطفال والولادة.
وقالت طبيبة تعمل في أحد المستشفيات إن وزارة الصحة التابعة لتحالف «تأسيس» وفّرت أجهزة حديثة للفحص، مضيفة أن سكان المناطق المجاورة يقصدون الفاشر بحثًا عن العلاج، في ظل مجانية الخدمات الطبية والأدوية.
وأوضحت أن المرضى يتلقون الرعاية الطبية والأدوية مجانًا حتى مغادرتهم المستشفى.
وفي قطاع الاتصالات، قال مواطنون إن قوات الدعم السريع فرضت قيودًا مشددة على استخدام الإنترنت في المدينة، وإن الوصول إليه أصبح، وفق إفاداتهم، خاضعًا لرقابة الاستخبارات، مع تتبّع المكالمات والرسائل الصوتية والنصية عند الاشتباه في بعض الأشخاص.
وأوضح أحد السكان أن خدمات الإنترنت متاحة في مواقع محددة بتكلفة ألف جنيه للساعة، ويوجد فيها أشخاص يرتدون ملابس مدنية لكنهم يتبعون جهات عسكرية، يراقبون حركة المستخدمين ويوجّهون آخرين لاعتقال من يشتبهون فيهم.
وفيما يتعلق بالمياه، أعادت قوات الدعم السريع تشغيل عدد من الآبار الجوفية لتوفير المياه للسكان في أحياء شمال المدينة ووسطها وجنوبها، بالتزامن مع خروج محطة قولو عن الخدمة بصورة كاملة.
وقال أحد السكان لـ«دارفور24» إن المياه متاحة عبر الآبار وصهاريج النقل التي تجوب المدينة بأسعار وصفها بالرمزية، لكنه أشار إلى أن المياه الجوفية مالحة وملوّثة وتحتاج إلى تنقية، ما يبقي مشكلة مياه الشرب قائمة رغم توافر المياه للاستخدامات الأخرى.
وأضاف أن قوات الدعم السريع حاولت إعادة تشغيل محطة قولو، لكنها لم تتمكن من ذلك بسبب ارتفاع التكلفة وغياب المهندسين والخبراء، فضلًا عن تضرر خزانات المياه والخراطيم.
وفي قطاع التعليم، افتتحت قوات الدعم السريع ثلاث مدارس للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة ومدرستين ثانويتين، مع منع تحصيل الرسوم الدراسية بموجب قرار أصدره مسؤول الإدارة المدنية وقائد القوات في المدينة، وفقًا لإفادات مواطنين.
وقال أحد السكان إن مئات التلاميذ والطلاب التحقوا بالمدارس الثلاث بعد منع فتح المدارس الخاصة.
وذكر أن الإدارة المدنية نظمت امتحانات المرحلتين الابتدائية والمتوسطة في الفاشر، فيما جلس طلاب آخرون لامتحانات الشهادة الثانوية في يونيو الماضي.
استمرار الملاحقات
وقال مواطنون إن قوات الدعم السريع عمّقت الخندق الذي حفرته حول المدينة خلال فترة الحصار، واكتملت أعمال تطويره في يونيو الماضي.
وأضافوا أن القوات حددت أربعة مداخل رئيسية للمدينة، هي بوابة مليط شمالًا، والمدخل الشرقي للفاشر، وبوابة نيالا جنوب غربي المدينة، وبوابة شقرة غربًا، بهدف ضبط حركة الدخول والخروج والحد من عمليات النهب الواسعة التي شهدتها المدينة.
ورغم انسحاب الجيش السوداني من الفاشر، فإن هجماته بالطائرات المسيّرة على المدينة لم تتوقف، إذ شهد الأسبوع الماضي قصف عدد من المواقع، من بينها أمانة الحكومة ومباني الفرقة، إلى جانب عدد من الارتكازات العسكرية داخل المدينة.
وأشار مواطنون إلى أن القوات درّبت عددًا من عناصرها في مجال الشرطة، واستعانت بأفراد انشقوا سابقًا عن الشرطة المساندة للجيش السوداني، قبل افتتاح رئاسة للشرطة وقسم للبلاغات، وتوفير تأمين محدود لبعض المواقع في السوق ومخيم نيفاشا للنازحين شمالي المدينة.
وأوضحوا أن إدارة الاستخبارات والشرطة العسكرية لا تزالان الجهتين المسؤولتين بصورة مباشرة عن تأمين المدينة واعتقال المشتبه بهم وتفتيش المنازل والهواتف، بحثًا عن أشخاص يُشتبه في تعاونهم مع الجيش السوداني والقوة المشتركة المساندة له.
وقال أحمد النور إسماعيل، أحد سكان الفاشر، لـ«دارفور24» إنه توجه من نيالا إلى المدينة في يوليو الماضي لزيارة منزل أسرته والاطمئنان على بعض الممتلكات، إلا أن قوة من الدعم السريع أوقفته واتهمته بالحضور لرفع الإحداثيات، قبل نقله إلى نيالا. وأفاد بأنه أُفرج عنه لاحقًا بضمانة أحد أقاربه المنتمين إلى قوات الدعم السريع.
وذكر إسماعيل أن مظاهر الحياة في الفاشر تتركز حاليًا في أحياء محدودة، من بينها الرديف والدرجة الأولى والرياض والوفاق، وأجزاء من شرق المدينة، إلى جانب نشاط نسبي في وسط المدينة، خصوصًا السوق وأحياء الزيادية وكرينك.
نقص السيولة
ومنذ سيطرة قوات الدعم السريع، عاد مئات السكان إلى الفاشر من بلدة طويلة، الواقعة على بُعد نحو 55 كيلومترًا غرب المدينة، ومن مدينة مليط على بُعد نحو 65 كيلومترًا شمالًا، إضافةً إلى مناطق مجاورة، فيما سُجلت عودة محدودة لنازحين من مراكز الإيواء في مدينة نيالا.
ورغم هذه العودة، لا تزال أجزاء واسعة من المدينة خالية من السكان، بعدما أشارت تقارير أممية خلال فترة الحصار إلى وجود أكثر من مليون شخص في الفاشر ومخيم زمزم للنازحين جنوب غربي المدينة.
وقال النازح آدم عبدو النور، وهو من سكان الفاشر، إنه اضطر إلى نقل أسرته إلى طويلة خلال احتدام المعارك في أغسطس من العام الماضي بتكاليف مالية كبيرة، قبل أن يعود إلى المدينة في أبريل الماضي بسبب صعوبة الحياة في مخيم النزوح.
وأضاف أن عودة السكان لا تزال محدودة رغم توافر جزء من الخدمات الإنسانية والمساعدات الإغاثية، مشيرًا إلى إعادة فتح أجزاء من سوق نيفاشا وأجزاء من السوق الكبير، مع توافر السلع الغذائية، مقابل نقص حاد في السيولة النقدية.
وأوضح أن الفارق بين أسعار المعاملات عبر التطبيقات المصرفية والدفع النقدي يقترب من 35 في المئة، ما يدفع السكان إلى الاعتماد على التحويلات المصرفية الواردة من خارج المدينة.
“نقلا عن موقع دارفور24”
