حرب التغراي هل تعيد اضطراب القرن الأفريقي؟
حديث السبت
بقلم: يوسف عبد المنان
قمة العلمين وضعت مصر في قلب المعركة
(1)
دولة إثيوبيا التي تتكون من عدة شعوب وقوميات وعدد سكانها فوق ال٦٠ مليون نسمة لم تعرف الاستقرار منذ رحيل نظام الرئيس الأسبق منغستو هيلا مريام والذي برحيله اتجهت إثيوبيا من معسكر الشرق إلى حليف استراتيجي للغرب ومن دولة اشتراكية إلى راسمالية متوحشة ،ورافق التغيير انتقال لمركز السلطة من قوميه الأمهرا ثاني أكبر قوميه إثيوبية بعد الأرومو إلى تحالف قوميات عريض يقوده التغراي ثالث المجموعات الإثيوبية الكبيرة وقاد ملس زناوي الجبهة الشعبية لشعوب إثيوبيا لخوض معركة طويلة مع هيلا مريام انتهت بدخول الثوار من الجبهة الشعبية وهي تحالف ضم الأرومو والتكرنجا والتغراي والعفر والاسحاقيين والاوغادين ، ووجد هذا التحالف دعماً من الحكومة السودانية التي كانت تحتضن ملس زناوي وقدمت له التسهيلات اللوجستية فضلاً عن الغطاء العسكري حتى سقطت أكبر قوة عسكرية في الإقليم وحارب الإرتريين مع ثوار الجبهة باتفاق يمنح إريتريا استقلالها حال سقوط نظام منغستو وذلك ماتحقّق فعلياً.
مات ملس زناوي فجأة وانتقلت السلطة الي ديسالين، ورئيس الوزراء هو صاحب السلطة الحقيقية في إثيوبيا حيث يعتبر الرئيس رئيساً شرفياً مثل ملكة بريطانيا.
وبعد ذلك جاء آبي أحمد إلى السلطة عبر انتخابات عامة وهو يقود تحالف عريض من الأحزاب الصغيرة والقوميات ولعبت إثيوبيا دوراً في المنطقة والتغيير الذي حدث في السودان وضعف الدولة المركزية ووصول حمدوك الي السلطة أغرى الإثيوبيين بأن يضعوا أرجلهم في السودان وقد أصبحت بيدهم مفاتيح السلطة، ولكن رغم ثقل إثيوبيا في المنطقة باعتبارها وكيل الولايات المتحدة بشرق أفريقيا إلا أنها لم تشهد استقرار وخاضت ثلاثة حروب مميتة الحرب الأولى بعد انفصال إرتريا حيث حرض القوميين الإثيوبين ملس زناوي مدفوعيين برغبة الأمهرا الذين يشكلون قوة كبيرة في جهاز الدولة إلى استعادة مواني إثيوبيا على البحر الأحمر بعد أن أصبحت إثيوبيا محاصرة من الصومال في الشرق وارتريا من الشمال والسودان من الغرب وتعرّضت إثيوبيا لخسائر فادحة في حربها ضد إرتريا
وخاضت الحكومة الإثيوبية حرب التغراي الأولى التي لعب فيها الطيران المُسيّر التركي خاصة البريقدار دوراً في هزيمة التغراي الذين تمترسوا داخل مدينة مكلي وقتل في تلك الحرب القائد السياسي للتغراي سيوم مسفن وزير خارجية ملس زناوي وفيما بعد أصبح سفيراً لإثيوبيا في الصين وحينما اندلعت الحرب عاد المحارب قديم ليقاتل ويقتل وهو الرجل الداهية والمفكر العميق وارتبط بالسودان وهو من كتب بخط يده إعلان المبادئ ١٩٩٤م لحل النزاع في السودان ذلك الاعلان الذي رفضته الخرطوم ثم عادت ووقعت عليه تحت وطأة الضغوط الغربية وانتصرت الحكومة المركزية الإثيوبية على الحكومة الفيدرالية.
وقضية إقليم التغراي تتشابه وقضية إقليم كاتالونيا في اسبانيا حيث يتطلع الاقليم هنا في إثيوبيا لحكم ذاتي على قدر من الاستقلال عن إثيوبيا ولكن في إقليم كاتالونيا هناك جنوح إلى الاستقلال عن التاج الاسباني.
(2)
الحرب الثالثة التي اندلعت في شهر سبتمبر المنصرم اختلفت عن حرب التغراي الأولى التي خاضها الإقليم لوحده ولكن الآن عادت التحالفات من جديد وتشكل تحالف عريض جداً من جبهة الفانو التي تمثل مقاتلي الأمهرا في غرب ووسط إثيوبيا وهؤلاء تتملكهم روح الإمبراطورية الآفلة ويمثل الأمهرا ثقل سكاني وثقل نوعي وكتلة سياسية يصعب تجاوزها في لعبة التوازنات الداخلية ثم هناك ضلع ثالث في تحالف المعارضة التي تقاتل الدولة المركزية وهي قوميه العفر الذين يتمدّد وجودهم في ثلاثة دول الصومال وجيبوتي وإرتريا إضافة إلى الدولة الأم إثيوبيا وهو قوم يركبون صعاب البحار وقسوة الجبال ومع هذه المكونات الثلاثة هناك مجموعات أخرى انضمت لهذا التحالف لخوض معركة التحرير واسقاط النظام واستفادت قوات تغراي وفانو من دروس الماضي حينما تمسكت بالأرض ونجم عن ذلك خسائر فادحة وفي هذه الحرب تم إخلاء المدن التي دخلتها قوات الحكومة المركزية ولكن المعارضة صعدت لقمم الجبال وتمركزت حول الطرق استعداداً لحرب طويلة جداً حرب عصابات تهدر فيها المعارضة طاقة الحكومة ومواردها ولن تستطيع الحكومة خوض معركة الجبال الشاهقة وتفقد كل عنصر للتفوق علي التغراي ممثلاً في الطيران المسير والدبابات والطيران التقليدي ويوم الخميس الماضي تعرّض مطار بولي الدولي لقصف بالمُسيرات مما يهدد بتوقف الملاحة الجويه في حال استمرار هذا القصف خلال الأيام القادمة ويعتمد الاقتصاد الإثيوبي على عائدات الطيران من مطار تهبط فيه يومياً أكثر من ٣٠٠ طائرة ويشحن عبره صادر البن، ولكن إثيوبيا وثّقت علاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة التي استخدمت الأراضي الإثيوبية في الاعتداء على السودان ونقلت الأسلحة إلى متمردي الدعم السريع من داخل إثيوبيا وربما تدفع الإمارات مليارات الدولارات لتمويل حرب إثيوبيا ضد التغراي الذين صعدوا الي الجبال ويمثل العامل الإريتري عامل ضغط على إثيوبيا التي لن تجروء على التعدي مرة أخرى على اسمراحيث عرف الارتريين بالبسالة في القتال والشجاعة وتماسك الجبهة الداخلية في أسمرا خلافاً لماهو عليه في إثيوبيا حيث تصدّعت الجبهة الداخلية.
(3)
في خضم تداعيات انفجار إلاوضاع في إثيوبيا دعت مصر إلى قمة رباعية في مدينة العلمين ضمت إريتريا والصومال والسودان ومصر وهي قمة خُصصت لمناقشة مالات الأوضاع في القرن الأفريقي من خلال جلسات بعيدة عن الإعلام وكل الدول شكت من الأطماع الإثيوبية من مصر التي لها مواقف معلنة من قضية سد النهضة الذي بدأت آثاره على السودان ومصر من خلال انحسار وارد مياه النيل الأزرق هذا العام وربما تشهد السنوات القادمة انحسار أشد وبالتالي تدخل مصر مرحلة فتح بوابات السد العالي لتغطية حاجة مصر من المياه والقيادة المصرية بحنكتها وتشابك علاقاتها مع حلفاء إثيوبيا إلا أن مياه النيل تشكل لمصر هماً كبيراً ،وقد هددت مصر من قبل بنسف السد من الوجود إذا ماتضرّرت مصر ولكن السودان يموج في داخله اتجاهين أحدهما مع إثيوبيا يمثله تحالف صمود قوى الحرية والتغيير سابقاً واخيراً حكومة تأسيس في نيالا بينما المؤسسة العسكرية والحزب الاتحادي الديمقراطي والإسلاميين مع مصر وحقها في المياه ومناهضة الأطماع الإثيوبية أما الصومال التي تواجه خطراً حقيقياً من خلال دويلة جمهورية أرض الصومال وهي صنيعة اثيوبية إماراتية تخلّقت في خاصرة الدولة الصومالية منذ سنوات وقد أكدت قمة العلمين وقوفها مع جمهورية الصومال ورفضت القمة أي تدخل ينتقص من سيادة الصومال على أرضه وقد عادت مصر لتلعب دوراً حيوياً في المنطقة وثقل مصر السياسي والدولي كفيل بردع الأطماع الإثيوبية في الأراضي الصومالية ،وإثيوبيا في بحثها عن منذ بحري استخدمت جمهورية أرض الصومال بعد أن يئست من إرتريا والسودان الذي فتح من قبل الميناء الجنوبي لمدينة بورتسودان للواردات الإثيوبية بما في ذلك البيرة والفودكا ولاتخضع الواردات الإثيوبية للتفتيش باعتبارها بضائع عابرة مثلها والبضائع التشادية ولكن الحرب في السودان جعلت من المستحيل وصول الواردات الي تشاد ووقفت إثيوبيا إلى جانب المعتدي واليوم تشرب من ذات الكأس وتخوض حربها الداخلية وهي حرب تجعل الدولة تتآكل من الداخل فهل يصمد آبي أحمد في عين العاصفة أم يسقط في الشتاء القادم وتبدأ فصول دورة سياسية جديدة في إثيوبيا؟!.
(4)
إذا كانت دولة الإمارات تدعم علناً الحكومة الإثيوبية لغزو السودان من إقليم النيل الأزرق وتدعم تشاد وجنوب السودان وكينيا وتدعم معارضة الحكومة الجزائرية وتنفق على جمهورية أرض الصومال وتشتري بمالها مواقف الدول الداعمة لفرض عقوبات على السودان وتنفق على نادي مانشستر سيتي وتشتري صمت لجان الدوري الانجليزي لتجنّب المان سيتي السقوط، هل تملك الإمارات كل هذه الثروات ولماذا لايقرأ بن زايد من كتاب سقوط معمر القذافي ويطالع ماخطه الوزير الأسبق عبدالرحمن شلقم في كتابه أشخاص حول القذافي وكيف بدّدت ليبيا ثروات ماليه لاتحصى من عائدات واحد من أجود أنواع البترول في العالم حتى اضطر القذافي لتوزيع خمسة نعجات لكل أسرة بدلاً عن “٥” ملايين درهم ليبي بعد أن بدّد الرجل ثروات ليبيا في دعم حركات التحرّر والانقلابات العسكرية في أفريقيا وأمريكا الجنوبية ويبني الثوار في كل مكان حتى نضب مال ليبيا،
والإمارات التي تباهي بثروتها فإنها قد تواجه قريباً جداً وضعاً اقتصادياً مزرياً إذا اتبعت شيطان النفوذ غير الراشد والطموح غير الموضوعي وإذا كان معمر القذافي صاحب نظرية الكتاب الأخضر فإن الإمارات بيدها فقط الدولار الأخضر.
