وزير الخارجية السوداني: نلوّح بخيارات سياسية لمواجهة التصعيد الإثيوبي ونرفض الحلول المفروضة لإنهاء الحرب

72

متابعات تاق برس – في حوار مع موقع المحقق ،حول تطورات الأزمة السودانية والعلاقات الإقليمية والدولية، أكد وزير الخارجية السوداني ترحيب الخرطوم بتعيين مبعوث خاص للأمين العام لجامعة الدول العربية، وتمسكها بالتعاون مع مصر في ملف مياه النيل، محذراً إثيوبيا من تداعيات التصعيد وإغلاق القنصلية السودانية في أصوصا. كما شدد على أن السودان يحتفظ بحقه في اتخاذ إجراءات سياسية ودبلوماسية، ولا يستبعد حقه في الدفاع عن أراضيه، فيما جدد رفض الحكومة لأي تسوية تفرض من الخارج أو تمنح قوات الدعم السريع فرصة للعودة إلى المشهد السياسي.**

**وفيما يلي نص الحوار:**

**بداية، كيف تنظرون إلى تكليف الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير زيد الصبان مبعوثاً شخصياً له في السودان؟**

نرحب بهذا التعيين، ونرى فيه رسالة تعكس اهتمام الجامعة العربية بالسودان ومسؤوليتها تجاه ما يمر به من أزمة. فالأمين العام الدكتور نبيل فهمي يأتي إلى هذا المنصب بأفكار ورؤى يسعى من خلالها إلى تعزيز دور الجامعة ومكانتها، واختيار السفير زيد الصبان يعكس خبرة متراكمة في متابعة الملف السوداني منذ عام 2006 على الأقل، خلال مباحثات أبوجا بشأن دارفور.

ونعتقد أن الجامعة لا تريد أن تكون مجرد طرف ضمن مجموعة الخماسية المعنية بالملف السوداني، وإنما ترغب في الاضطلاع بدور أكبر تجاه دولة عضو تستشعر أهميتها ومسؤوليتها بموجب ميثاق الجامعة، فضلاً عن مسؤوليتها الأخلاقية في ظل ما يتعرض له السودان من اعتداءات تستهدف مقدرات شعبه واحتياجاته الأساسية. وسنعمل مع المبعوث الجديد والجامعة بما يحقق أمن السودان واستقراره.

**شهدت القاهرة اجتماعاً رباعياً جمع وزراء الخارجية والري في مصر والسودان. ما أهمية الاجتماع في هذا التوقيت؟**

يمثل الاجتماع دلالة على أننا بدأنا الانتقال من القول إلى العمل، بعد اللقاءات الرئاسية بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ثم اجتماع رئيسي الوزراء في البلدين خلال فبراير الماضي.

وقد وضعنا الخطط والتصورات، وراجعنا الإنجازات التي تحققت، ثم مضينا خطوة إلى الأمام بتوقيع مذكرة خاصة بخزان جبل أولياء، ضمن مسار أوسع يشمل الاتفاق على 36 مشروعاً مع دول حوض النيل.

لدينا في مصر والسودان رؤية مشتركة باعتبارنا دولتَي مصب، ونتأثر بأي تصرفات أحادية في مياه النهر، وما قد ينتج عنها من أضرار اقتصادية واجتماعية وبيئية. ونؤكد أن التعاون في حوض النيل ينبغي ألا يُختزل في النيل الشرقي أو يُدار بصورة أحادية، بل يجب أن يقوم على التوافق والقواعد القانونية التي تحفظ مصالح جميع الدول.

**هل توافرت مصادر تمويل للمشروعات الـ36 المتفق عليها؟**

التمويل لا ينبغي أن يكون أمراً مخيفاً أو عائقاً أمام تنفيذ المشروعات، بل يمكن أن يمثل عامل جذب في ظل الإمكانات المتاحة في السودان ومصر. وإذا أحسنا تقديم ما نملكه من موارد وفرص، فهناك مستثمرون كثر من مختلف أنحاء العالم، والعروض موجودة، سواء من آسيا أو روسيا أو أوروبا أو الولايات المتحدة، وهناك رغبة حقيقية في المشاركة في هذه المشروعات.

**ننتقل إلى الملف الإثيوبي.. كيف تنظرون إلى قرار أديس أبابا إغلاق القنصلية السودانية في أصوصا وإمهال العاملين بها 48 ساعة للمغادرة؟**

هذه التطورات تأتي في ظل ما ظللنا نشير إليه من اعتداءات تنطلق من الأراضي الإثيوبية على السودان باستخدام الطائرات المسيّرة. وقد عرضنا هذه الوقائع في مؤتمر صحفي لوكيل وزارة الخارجية مع البعثات الدبلوماسية، ثم تقدمنا بشكوى رسمية أمام مجلس السلم والأمن الأفريقي ومجلس الأمن الدولي.

كما سلمت، خلال لقائي بالأمين العام لجامعة الدول العربية، إثباتات بشأن هذه الاعتداءات. وفي ظل التطور التكنولوجي أصبحت الأدلة متاحة بصورة واضحة، فالطائرات المسيّرة تسجل مسارات انطلاقها والجهات التي تتجه إليها، وهناك أقمار صناعية وأجهزة رصد ومؤسسات دولية غير سودانية، مثل جامعة ييل، تحدثت عن المعسكرات الموجودة في أصوصا.

ونرى أن ما تقوم به إثيوبيا يحمل إشارات توحي بعدم الرغبة في الالتزام بحسن الجوار. ومن جانبنا نضبط النفس بدرجة كبيرة، رغم الاعتداءات التي يتعرض لها السودان. كما نعتقد أن إغلاق المكاتب الدبلوماسية والقنصلية يمثل دلالة على عدم الرغبة في التعاطي الإيجابي والسلمي مع هذه القضايا، فهذه المكاتب أُنشئت لتكون بوابات للتعاون.

نتمنى أن تراجع إثيوبيا نفسها، وأن تعود إلى التعاطي الإيجابي وإقامة علاقات تقوم على حسن الجوار مع السودان.

**هل تدرس الخرطوم اتخاذ إجراءات دبلوماسية مقابلة رداً على إغلاق القنصلية؟**

القانون الدولي يمنحنا كامل الحقوق في التعبير عن سيادتنا واتخاذ ما نراه مناسباً من إجراءات سياسية. ولكل مقام مقال.

**هل جرت اتصالات أو وساطات غربية لاحتواء التوتر بين السودان وإثيوبيا؟**

حتى الآن ليس لدي علم بذلك، لكن السودان ظل يمد يده ويسعى إلى إقامة علاقات منسجمة مع جيرانه، وهي علاقات جوار استمرت لعشرات السنين. نحن لم نعتدِ على أحد، ولدينا رغبة في التعامل الإيجابي القائم على حسن الجوار مع جميع الدول المجاورة.

**كيف ستتعامل الخرطوم مع خطط إثيوبيا لبناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق؟**

لدينا من الآليات ما يمكننا من التعامل مع هذا الملف، ونتشاور باستمرار بشأن كل تطور يتعلق بالنهر الذي يربطنا، وفقاً للقواعد القانونية التي تحفظ حقوق جميع الأطراف.

**هل يمتلك السودان خيارات أخرى إذا استمرت الاعتداءات الإثيوبية؟ وهل يمكن أن يصل الأمر إلى رد عسكري؟**

كل دولة تتعرض لاعتداء يمنحها القانون الدولي الحق في الرد. ومن واجب الجيوش حماية حدود بلادها، وإذا وقع اعتداء من أي دولة فمن حق الدولة المعنية الدفاع عن سيادتها وأرضها، وهذا أمر طبيعي في كل دول العالم.

لكن حتى الآن لا نرى مؤشرات تدفع إلى ذلك، ونتمنى ألا نصل إلى هذا الحد من السيناريوهات الخشنة.

**بالانتقال إلى العلاقات السودانية الروسية، كيف تردون على اتهامات بوجود توجه نحو المعسكر الشرقي أو بيع أراضٍ سودانية مقابل الحماية؟**

السودان بلد منفتح منذ عشرات السنين، وظل يستقبل الشركات من مختلف الدول، سواء الصين أو روسيا أو فرنسا أو الدول الأوروبية أو حتى الشركات الأمريكية، رغم مقاطعة الولايات المتحدة لنا.

سياستنا قائمة على الانفتاح والمصالح المشتركة، فما الغريب في عقد لقاءات مع الجانب الروسي، الذي يقدم عروضاً ممتازة وغير مرتبطة بأجندة سياسية؟ ولماذا لا ننفتح على هذه الفرص؟

**لكن هناك مخاوف من أن تكون المنطقة الحرة التي يجري الحديث عنها مدخلاً لإقامة قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر. ما ردكم؟**

المناطق الحرة مناطق اقتصادية مفتوحة، وبها أسواق، وهذا تعاون اقتصادي متاح للجميع. أحياناً يضع الناس تصورات في أذهانهم ويصرون على ربط أي تحرك بها، لكن الواقع مختلف.

وإذا رأينا في السودان أن هناك من يحقق مصالحنا، فلا ينبغي أن يكون ذلك موضع اعتراض من أي جهة، ما دام لا يمس سيادة السودان أو ينتقص من حقوقه. وقد أكد الرئيس البرهان بوضوح أننا دولة تتمتع بكامل سيادتها ولا نقبل الإملاءات من أحد، ونمضي بإرادتنا الحرة في كل ما يحقق مصلحة شعبنا.

**هل تمثل هذه التحركات اتجاهاً سودانياً نحو روسيا أو انتقالاً إلى محور دولي بعينه؟**

أبواب السودان مفتوحة أمام كل من يرغب في التعامل معه، شريطة احترام سيادته وأمنه ووحدة أراضيه، ودون إملاءات. نرحب بالجميع، سواء من الشرق أو الغرب أو الجنوب أو الشمال.

السودان ليس دولة محاور، ولا يسعى إلى تأزيم علاقاته مع جيرانه أو مع أي جهة في العالم، وإنما يريد التعاون على أساس المصالح المشتركة التي تحقق الفائدة لجميع الأطراف.

**كيف استقبل السودان صفقة الأسلحة والطائرات التي أبرمتها إثيوبيا مع روسيا؟ وهل أجرى اتصالات مع موسكو بشأنها؟**

لم نتحدث مع روسيا في هذا الشأن، فنحن نحترم سيادة الدول ونرفض تدخل أي دولة في شؤوننا، وبالمعيار نفسه لكل دولة الحق في التصرف بالطريقة التي تراها محققة لمصالحها. لكن إذا كان هناك أمر يمس سيادتنا، فلكل حادثة حديث.

**ننتقل إلى مسار التسوية السياسية.. هل جرى التشاور مع السودان بشأن التسوية التي يجري الحديث عنها في إطار الرباعية؟**

نحن لا نتعاطى مع التصريحات الإعلامية التي تطلق في الهواء. الولايات المتحدة انفتحت على السودان عقب لقاء الأمير محمد بن سلمان بالرئيس دونالد ترامب، وانخرطنا في عمل لا يزال مستمراً، رغم وجود اختلاف في طريقة التعاطي مع الشأن السوداني.

هناك رسالة من الرئيس البرهان إلى الرئيس ترامب، وأخرى من وزير الخارجية السوداني إلى نظيره الأمريكي، أكدنا فيهما انفتاحنا على كل عمل يسهم في تطوير العلاقات الثنائية ويخدم العملية السياسية في السودان، وصولاً إلى الأمن والاستقرار، عبر حل بأيدٍ سودانية ودون إملاءات خارجية. ولدينا أيضاً مبادرة طرحناها أمام مجلس الأمن في ديسمبر 2025.

**ما موقف السودان من تحركات الرباعية والاتصالات الجارية بين أطرافها؟**

نحن منخرطون بصورة كبيرة مع ثلاثة من أطراف الرباعية، وهي مصر والولايات المتحدة والسعودية، ونمضي في هذه الاتصالات، لكن لا يوجد أمر جديد حتى الآن.

موقفنا واضح، فنحن مع السلام والحوار السوداني السوداني بملكية سودانية، وقد شرعنا في تشكيل لجنة لتهيئة الحوار الداخلي. ولا نعارض الاجتماعات التي تُعقد في الخارج، سواء في إطار الخماسية أو غيرها، لكننا نطلب أن تراعي واقع السودان ومعطيات الأرض، وأن تستمع إلى أصحاب المصلحة الحقيقيين.

ما نرفضه هو الحلول المعلبة التي تمنح قوات الدعم السريع فرصة للتسلط على السودانيين من جديد، كما نرفض عودة قوى سياسية فقدت سندها الجماهيري إلى السلطة على حساب دماء السودانيين. نريد أن نضع البلاد على الطريق الصحيح نحو انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب من يحكمه.

**وماذا عن مقترح الهدنة لمدة ثلاثة أشهر؟**

إذا كانت هذه الترتيبات متوافقة مع ما يرجوه أهل السودان، فنحن نرحب بها. أما إذا كانت مصممة لأغراض معينة، مثل إعادة قوات الدعم السريع أو بعض القوى السياسية التي فقدت سندها الجماهيري، فلن يكون ذلك على حساب غالبية أهل السودان.

الشعب السوداني هو الذي يقرر مصيره، وليس الاجتماعات الخارجية التي لا يُدعى إليها أصحاب المصلحة الحقيقيون.

**هل يهدد استهداف محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة عودة المواطنين إلى مناطقهم؟ وكيف تتعامل الحكومة مع ذلك؟**

هذه محاولات يمكن التصدي لها، كما يفعل الجيش الآن. لكن السؤال هو: لماذا لا يتحرك المجتمع الدولي لإدانة هذا العمل الذي يستهدف المنشآت المدنية؟

هناك دول تمول هذه الاعتداءات، ودول تسمح بانطلاق الطائرات المسيّرة من أراضيها. وقد تقدمنا بشكاوى إلى مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الأفريقي، ونريد أن نرى موقفاً واضحاً من المجتمع الدولي.

استهداف محطات الكهرباء والمحولات يؤثر في حياة المواطنين والزراعة، خصوصاً أن بعضها يُستخدم في قنوات الري التي تهيئ للموسم الشتوي، كما ينعكس على المياه والصحة والتعليم وقوت الناس. لذلك نطالب بالإنصاف وإدانة هذه الاعتداءات، بدلاً من استخدام القضايا الإنسانية لأغراض سياسية.

**كيف تتعامل الحكومة السودانية مع الولايات المتحدة، في ظل تصريحات مسعد بولس بشأن عدم الاعتراف بالحكومة السودانية؟**

نهجنا ثابت، والذين يتحدثون في الإعلام هم الذين يغيرون مناهجهم، وعليهم العودة إلى التعاطي مع موقفنا الواضح. نحن ننظر إلى عملية السلام في السودان بصورة كلية، ولا نريد تجزئتها بالحديث عن هدنة أو وقف إطلاق نار بمعزل عن التطورات على أرض الواقع.

الجيش يحقق تقدماً وانتصارات، وينضم كثيرون من قادة قوات الدعم السريع إلى جانب الحكومة والجيش، وهذه تطورات ينبغي أن يقرأها الجميع. ومن يريد التعامل مع الشأن السوداني عليه أن يستجيب لواقع أهل السودان.

**كيف تقيمون أداء المبعوث الأمريكي مسعد بولس في تعامله مع الملف السوداني؟**

لا أريد التعليق على أشخاص، نحن نعلق على أمريكا.

**هل تتقاطع اجتماعات الآلية الخماسية مع مسار الحوار السوداني السوداني الذي تعمل الحكومة على تهيئته؟**

الحوار الداخلي لم يبدأ بعد، فهناك لجنة شُكلت لتهيئة المناخ والأجواء والظروف المناسبة حتى يبدأ الحوار في مرحلة لاحقة. وتضم اللجنة أبناء السودان الذين قبلوا تولي هذه المهمة، ونتمنى أن تخرج بنتائج طيبة تقنع الأطراف السودانية بالجلوس مع بعضها البعض، وصولاً إلى حوار سوداني سوداني معافى يقدم رؤى وحلولاً تخرج البلاد من أزمتها.

**أخيراً، ماذا ينتظر السودان من مصر والسعودية في المرحلة المقبلة؟**

نعول على مصر والسعودية كثيراً، وهما تدعمان السودان في هذا المسار. وهذه فرصة لنتقدم إليهما بالشكر والتقدير، وكذلك إلى قطر وغيرها من الدول الشقيقة والصديقة التي تسهم في تخفيف آثار الحرب المفروضة على أهل السودان، من خلال الدعم الإنساني والسياسي والاجتماعي والصحي والتعليمي، وفي مختلف المجالات التي يحتاج إليها الشعب السوداني في هذه المرحلة.

whatsapp
أخبار ذات صلة